"لكنك ستفعل".. رواية إيطالية بطلها متمرد لا يستسلم

الكاتب الإيطالي جوزيه كاتوتسيلا يطرح موضوع الهجرة من خلال حياة قرية لم يصلها المسيح ولا الزمن في ريف ميلانو الإيطالي.
الاثنين 2020/04/20
بطل ثائر بروح طفل (لوحة للفنانة هيا حلاو)

في قرية أورليانا وهي عبارة عن "خمسين منزلا من الحجارة ومئتيْ نسمة" تدور أحداث رواية الكاتب الإيطالي جوزيه كاتوتسيلا "لكنك ستفعل"، حيث يغوص بنا الكاتب في عوالم مصغرة لما تعانيه البشرية من ظلم واستلاب وحكم أبدي على الناس بالفقر والاحتياج.

تعيد رواية الكاتب الإيطالي جوزيه كاتوتسيلا “لكنك ستفعل” طرح موضوع الهجرة من منظور واقعي وإنساني من خلال حياة قرية شبه معزولة تقع في ريف ميلانو الإيطالي.

يكتشف بطل الرواية كورسانو خلال مغامرة يقوم بها لاختبار شجاعته عائلة تختبئ بحالة مزرية داخل بناء قديم ليحدث التحول المفاجئ في حياة القرية ويتكشف الموقف المعادي للغرباء لمجرد أنهم غرباء على الرغم من محاولتهم تحرير السكان من الاستسلام للواقع المفروض عليهم من قبل مالك الأرض الذي سمم أرضهم ليستأثر بالزراعة في بلدتهم.

العزلة القاتلة

Thumbnail

يسعى الكاتب من خلال التنويه الذي يفتتح الرواية به لأن يلغي المسافة بين الواقعي والمتخيل من خلال نفي أي علاقة يمكن أن تحدث بين أحداثها وبعض شخصياتها والواقع بغية شد القارئ إليه في هذه الرواية. تسير أحداث الرواية في خطين سرديين لا يمكن الفصل بينهما بسبب تداخل أحداثهما بصورة كبيرة. الخط السردي الأول هو قدوم بطل الرواية مع أخته نيننا للعيش مع أسرة جده في هذا المكان الريفي المجهول بعد وفاة والدتهما، في حين يبدأ الخط السردي الثاني من لحظة اكتشاف البطل لهؤلاء الغرباء المختبئين داخل مكان مهجور في حالة يرثى لها.

تكشف الطريقة التي يقدم بها الكاتب شخصية بطل الرواية عن المنظور الإنساني الذي يميز سلوكه وموقفه حتى النهاية، فالبطل الذي يعي منذ طفولته معنى الظلم والاستغلال يرفض أن يكون صورة مكروهة على غرار والديه، على الرغم من تعلقه الشديد بأمه حيث يقول “في ذلك اليوم ولم أكن قد تجاوزت الرابعة من عمري صوبت تلك المرأة الصغيرة المتشحة بالسواد إصبعها نحوي. ليلا داهمتني الكوابيس وفي الصباح أقسمت ما إن فتحت عيني بأنني لن أكون على شاكلة أبوي شخصا منبوذا يستولي على عمل الآخرين ويحتل البيوت والحدائق والشوارع وكل الأشياء الاستثنائية”.

تعيش القرية الصغيرة أورليانا في عزلة أبدية عن العالم استسلمت فيها لواقعها الذي فرضه عليها العم روكو بعد أن قام بتسميم أراضي البلدة وتخفيض أسعار المواد الزراعية، لكي يقضي على أي منافسة له حتى أجبر الجميع على التخلي عن زراعة أراضيهم.

 تلعب جملة الاستهلال أو العتبة السردية دورا مهما في توجيه القراءة من خلال الاعتراف الذي يستهل به الكاتب الرواية على لسان بطل الرواية تلك المقولة التي ترددها مدرسته الراهبة والتي سوف تترك أثرها الكبير على وعيه وموقفه من الاستغلال والظلم، يقول الكاتب “لنكن صريحين من البداية، نحن قوم غزاة في أرض غنية بالثروات والنفائس، غزوناها سرا لنعمل. هذا ما أخبرتنا به الراهبة في الروضة وجراء علاقتها الخاصة بالرب فما كان لها أن تخطئ. في ذلك اليوم ولم أكن قد تجاوزت الرابعة من عمري صوبت تلك المرأة الصغيرة المتشحة بالسواد إصبعها نحوي. ليلا داهمتني الكوابيس وفي الصباح أقسمت ما أن فتحت عيني بأنني لن أكون على شاكلة أبوي شخصا منبوذا يستولي على عمل الآخرين”.

هذا الوعي المبكر بمعنى الظلم والاستغلال سيشكل الحافز القوي الذي سيجعل موقفه من الغرباء الذين يكتشف وجودهم صدفة في مكان مهجور إيجابيا على العكس من سكان البلدة الذين يجدون في وصولهم إلى هذا المكان المعزول بداية لقدوم المزيد من الغرباء الذين سيغيرون الحياة فيها ولذلك يقرّرون طردهم على الرغم من بؤس حالتهم التي تستدعي التعاطف.

ترجمة يوسف وقاص وخالد الناصري عن منشورات المتوسط بإيطاليا
ترجمة يوسف وقاص وخالد الناصري عن منشورات المتوسط بإيطاليا

كراهية الغريب

في اللحظة الأخيرة التي يرفض فيها سكان القرية قبول الغرباء بينهم يتدخل العم روكو ويعلن عن قبوله استقبال الأسرة في مزرعته. هذا التحول في الموقف من الغرباء كان يخفي وراءه أهدافا خطيرة لن تتكشف إلا فيما بعد، عندما يقوم بتخفيض رواتب العمال من أهل القرية إلى النصف، بعد أن يضعهم أمام خيارين إما القبول بالواقع الجديد أو ترك العمل بعد أن استخدم الغرباء كعمال في أرضه مقابل إيوائهم في مزرعته.

 يزيد هذا الواقع الجديد نقمة السكان على الغرباء بدلا من العم روكو الذي يستغل الجميع أبشع استغلال. وعلى خلاف أهل البلدة المستسلمين لواقعهم يقترح أحد الغرباء على جد بطل الرواية إنشاء جمعية تعاونية يشارك فيها جميع أصحاب الأرض المهجورة لمواجهة هيمنة العم روكو.

تبعث الفكرة الحماس عند السكان الذين يقبلون على العمل بهمة كبيرة لكن خبث وشرور العم روكو لا يتوقف فيستغل ليلة الاحتفالات بالعيد لحرق الأرض التي جرى تشجيرها وحرق الآلات الزراعية والمخازن بالتواطؤ مع رئيس البلدية ورئيس المخفر. عصبة الشباب التي يقودها بطل الرواية تصر على اكتشاف الجاني حتى تستطيع أن تصل إلى الحقيقة. على الرغم من ذلك لا يحاول أحد من السكان متابعة القضية لفضح المتورطين بها واستعادة حقوقهم.

العبارة التي يطلب الجد من بطل الرواية أن يقرأها له تلخص واقع حال الناس في هذه البلدة التي تستسلم لسلطة الشر وكأنه قدر كتب عليها، ما يدل على حالة الضعف التي يعاني منها سكان البلدة (المسيح الذي لم يصل إلى هنا أبدا ولا الزمن أيضا ولا الأمل ولا المنطق والتاريخ).

تحالف الشر والفساد

يرفض بطل الرواية ومجموعة أصدقائه الذين اكتشفوا المسؤولين عن الجريمة الاستسلام، لكن الجميع يخذلونهم؛ يقرر الجميع الصمت في مواجهة تحالف الأشرار والفاسدين في البلدة. يطرد السكان الغرباء من البلدة بعد أن حملوهم مسؤولية حرق أراضيهم، على الرغم من محاولة عصبة الشباب الاحتجاج على هذا السلوك الخاطئ. تلعب الأم في حياة بطل الرواية دورا مهما في تنمية الشعور بالشجاعة عنده ورفض الظلم، ومن خلال هذا الدور الذي تلعبه في سلوك البطل كورسانو، سواء في تحفيزه لدخول المناطق المهجورة حيث اكتشف وجود الغرباء، أو في الدفاع عن وجودهم والتحريض على فضح مرتكبي جريمة حرق الأرض الزراعية.

البطل الذي يعي منذ طفولته معنى الظلم والاستغلال يرفض أن يكون صورة مكروهة على غرار والديه

وهكذا فإن الخط السردي الأول المتمثل في علاقة كورسانو بأمه واستدعائه المستمر لها في اللحظات الحرجة يظهر أثرها في بنية هذا العمل السردي وتطور أحداثه وتأكيد قيم الشجاعة والخير في مواجهة الظلم، وهو ما يظهر في خاتمة الرواية التي تكشف عن علاقة الارتباط القوي بين جملة الاستهلال والخاتمة، وبالتالي عن وحدة العمل السردي الذي يتميز ببنيته الخطية المتتالية والصاعدة والتي تنحاز إلى القيم الإنسانية النبيلة، ما يجعل حضور الأم المتخيل بؤرة أساسية في تنامي هذه البنية وتطورها.

يقول الكاتب “الآن ليس هو الوقت المناسب لأقول لكم وإلا سينتهي بي الأمر إلى الشعور بالوحدة أكثر مما أنا عليه. ثم إن تلك الشمس التي كانت تشرق بدت أجمل من كل ما شاهدته في حياتي، قد كانت وعدا للبدء بشيء جديد.. ما يمكنني أن أقوله هو أنني لن أترك هذه الحياة تمر دون أن تمر أولا من خلالي إنها مسألة أولوية لا أعرف إن كنت قد أوضحت. لنفعل”. إن هذا الإصرار على الفعل والتغيير هو الثيمة الأساسية التي يمكن للقارئ تأويل المعنى الذي ينطوي عليه عنوان الرواية لكنك ستفعل ببنيته النحوية.

ونذكر أن رواية “لكنك ستفعل” للإيطالي جوزيه كاتوتسيلا صدرت بترجمة يوسف وقاص وخالد الناصري عن منشورات المتوسط بإيطاليا.

14