لكن ما الذي بوسع القيادة الفلسطينية أن تفعله؟

إذا لم تحدد القيادة الفلسطينية ما تريده وتحسم أمرها، وتغيّر الطريق، وتعيد بناء البيت الفلسطيني على أسس جديدة، وتصارح شعبها، فإن الوضع الفلسطيني سيصل إلى حائط مسدود.
السبت 2020/07/18
الحلول الضائعة

استنفرت القيادة الفلسطينية، أي قيادة المنظمة والسلطة و”فتح”، في سعيها لمواجهة خطتي الرئيس الأميركي دونالد ترامب “صفقة القرن”  ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (ضم أجزاء من الضفة)، بيد أن ذلك الاستنفار افتقر إلى العديد من المقومات التي تضفي عليه معنى، أو التي يمكن أن تترجمه إلى إجراءات عملية، تفيد بتعزيز صمود الفلسطينيين، وتعزيز مكانتهم إزاء ذلك التحدي الأميركي ـ الإسرائيلي.

ثمة مسألتان أساسيتان هنا، الأولى تتعلق بغموض ما تريده القيادة الفلسطينية، وما يفترض منها توضيح موقفها، ومصارحة شعبها بذلك، وبما يمكن عمله. مثلا، هل هي تريد حقا طيّ صفحة اتفاق أوسلو، وملحقاته أم تريد تحسين شروطها التفاوضية على أرضيته؟ أو هل تريد معاودة السير في خط المفاوضات، على ما تفيد بعض التصريحات الصادرة عن بعض مسؤوليها، أم تريد القطع مع تلك العملية لانتفاء شروطها المناسبة وتحولها إلى مجرد إملاءات؟ ثم هل ستصل تلك القيادة حقا إلى الحد الذي يجعلها تسلم “المفاتيح” إلى سلطة الاحتلال، كي تقوم تلك الأخيرة بعملية “جمع القمامة”، بحسب تصريح صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين وعضو اللجنتين المركزية لفتح والتنفيذية للمنظمة، على ما في تلك الجملة من اختزال وامتهان لمكانة ووظيفة السلطة الفلسطينية، إضافة إلى ما في ذلك من استهانة أو تسطيح لمحاولات إسرائيل ضم أجزاء من الضفة الغربية إليها.

أما المسألة الثانية، فهي تتعلق بحقيقة أن تلك القيادة، في استنفارها، افتقرت إلى أوراق القوة اللازمة لها لتدعيم موقفها، أو مكانتها، في الصراع ضد إسرائيل، فمنظمة التحرير باتت مهمشة، لصالح سلطة تحت الاحتلال، وهذا التهميش حصل بيد القيادة الفلسطينية ذاتها أكثر من أي طرف آخر، والفلسطينيون في الخارج، أي اللاجئون، باتوا خارج المعادلات السياسية، بعد أن انتقل مركز الثقل إلى الداخل، وبعد أن أضحت المنظمة مجرد فولكلور فلسطيني، أو مجرد منبر للمناسبات (عقدت الدورة العادية الـ21 للمجلس الوطني في العام 1996، في حين عقدت الدورة العادية الـ23 في 2018، أي بعد 22 عاما، علما أن الدورة الـ22 لعام 2009 كانت استثنائية وفقط لتمرير ترميم عضوية اللجنة التنفيذية).

كما أن القيادة الفلسطينية لم تفعل شيئا لتنفيذ قرارات المجلس المركزي الذي ظل منذ سنوات عديدة يؤكد على ضرورة إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وعلى وقف العمل باتفاق أوسلو وملاحقه الاقتصادية والأمنية، في حين ظلت القيادة الفلسطينية، تؤجل تلك الاستحقاقات أو تشكل لجنة تلو اللجنة لمتابعتها، طبعا دون أن نتحدث عن فشل كل مساعي إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، الذي تتحمل مسؤوليته حركة حماس، أي السلطة الأخرى في قطاع غزة، التي لم تقم بدورها ببناء سلطة أفضل من تلك التي في الضفة، لا على صعيد الإدارة، ولا على صعيد التعامل مع مجتمعها.

المشكلة، فوق كل ما تقدم، أن الفلسطينيين يواجهون استحقاقات خطتي “صفقة القرن” و”الضمّ”، في شروط دولية وإقليمية وعربية صعبة ومعقدة وغير مواتية للغاية، وفي وضع تراجعت فيه مكانة القضية الفلسطينية في أجندة كل الأطراف، حتى لا نبالغ بالبيانات التي تصدر على هذا الصعيد أو ذاك، لأنها لا تقدم شيئا عمليا، أي أنها لا تضغط على طرف لإسرائيل، رغم أهميتها السياسية والأخلاقية، ورغم أنها تعتبر بمثابة رصيد للفلسطينيين ولكن مستقبلا، أي في ظروف فلسطينية وعربية ودولية مواتية.

لنتفحص علاوة على ذلك كل واحد من الخيارات التي طرحتها، أو لوّحت بها القيادة الفلسطينية، مباشرة أو مداورة، باستثناء خيار حل السلطة وتسليم المفاتيح لإسرائيل لتحمل عبء المسؤولية عن إدارة الوضع في الأرض المحتلة، سواء خيار التحلل من الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، أو وضع القضية في مسؤولية المجتمع الدولي، أو التحول نحو حل الدولة الواحدة، أو انتهاج المقاومة الشعبية، أو إعلان الانتقال إلى حالة دولة تحت الاحتلال، فكلها خيارات محقة ومشروعة وممكنة، لكنها أولا، أتت متأخرة جدا. ثانيا، فهي لم يجر التمهيد للوصول إليها، كما لم يتم توفير مستلزماتها. ثالثا، فهي تفتقد للحوامل المناسبة.

ومعلوم أن السلطة الفلسطينية في أضعف حالاتها، ليس كنتاج للانقسام فحسب، وإنما كنتاج لأفول الشرعية، للرئيس وللمجلس التشريعي (الذي تم حله قبل عام)، وبواقع ضعف مبنى الحركة الوطنية الفلسطينية، سواء على صعيد المنظمة أو على صعيد الفصائل، وبحكم الفجوة بين مجتمعات الفلسطينيين والقيادة الفلسطينية في الداخل والخارج، وبسبب انكشاف الوضع الفلسطيني، وغياب أو ضعف، حواضنه العربية والإقليمية والدولية، في الظروف والمعطيات الراهنة.

فإذا لم تحدد القيادة الفلسطينية ما تريده وتحسم أمرها، وتغيّر الطريق، وتعيد بناء البيت الفلسطيني على أسس جديدة، وتصارح شعبها، فإن الوضع الفلسطيني سيصل إلى حائط مسدود، وربما يصل إلى تلك اللحظة المأساوية التي وصلت إليها الحركة الوطنية الفلسطينية التي انطلقت في الثلاثينات، نتيجة قيام إسرائيل (1948)، ونتيجة لإخفاقها في إدارة كفاح شعبها آنذاك، ما أدى إلى أفولها، وغيابها نهائيا، في حين ظل شعبها في فراغ، بانتظار توليد حركة وطنية جديدة في ظروف مغايرة، وهو ما نجم عنه لاحقا توليد الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، التي يبدو أنها ستواجه ذات المصير في حال استمرت في ما هي عليه.

9