لكي تتضح الصورة

الخميس 2014/03/06

لم يكن هناك بدّ من أن تتّضح الصورة ولو بعد حين، فما كل أخ بأخ، ولا كل شقيق بشقيق، ولا كل صديق بصديق، وكل شريك بشريك، ولا كل جار براع لحرمة الجوار.

قبل ذلك أدرك القوم، ولو بعد حين كذلك، أن ما كل إعلام بإعلام، ولا كل إخبار بإخبار، ولا كل صحافة بصحافة، وفهموا ولو بعد حين كذلك، أن من القنوات ما بعثت للفتنة، ومن الإعلاميين من تدرعوا بالإيديولوجيا أو تمنطقوا بالمصالح ثم تحالفوا مع الإرهاب ورفعوا رايات الخراب، وانعزلوا في “الجزيرة” متوثّبين للفتك بكل نفس حضاري وروح تقدمية ونظرة متفائلة للمستقبل. وقبل ذلك أدرك القوم أن ما كل داعية بداعية وما كل رجل دين برجل دين وما كل إمام بإمام.

فالداعية قد يكون في الأصل انقلابيا، مخادعا، يتبنى مشروعا سياسيا يدّعي أنه على صلة مباشرة بالسماء، ورجل الدين قد يحرّم ما حلّل الله ويحلل ما حرّم الله، وقد يجيّر العلوم الشرعية والفقه والتاريخ والقرآن والسنّة وسير الأنبياء والصحابة وآل البيت لخدمة مشروع جماعة تدور في فلك العدوّ الحقيقي للأمة، هدفها تجزئة المجزّأ وتشتيت المشتّت وضرب مقدرات العرب والمسلمين.

والإمام قد يتخذ من منبر الجامع مجالا للكذب وترويج الزيف والإساءة للدول والشعوب، فقط لأنها كشفت حقيقته الشيطانية وألعابه البهلوانية ومواقفه العدائية التي لا علاقة لها بصحيح الدين ولا بفقه السياسة ولا بمصالح الناس.

وقبل ذلك، أدرك القوم أن ما كل مثقف بمثقف ولا كل محلّل سياسي بمحلل سياسي ولا كل مفكّر بمفّكر وما كل صاحب رأي حرّ بصاحب رأي حرّ ولا كل من يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان يدافع عن حقوق الإنسان.

فالمال قد يقلب الأحوال، والتآمر قد يكون حرفة لأصحابه، واللعب بالحقائق قد يتحوّل إلى رسالة ثقافية، والتحالف مع الإرهاب قد يصبح مشروعا فكريا، وصاحب المواقف الإيديولوجية المسبقة قد يمسي محللا سياسيا محايدا، وصاحب الفكر المدجّن قد يشار إليه على أنه صاحب فكر حر، ومن يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان قد يكون أول عدو لها، والجالس في مقهى في عاصمة النور أو في عاصمة الضباب يمكن أن يكون شاهد عيان ينقل صورة الأحداث البعيدة عنه بآلاف الأميال. ولكن، ومع ذلك، كان لابدّ أن تتضح الصورة، ويبدو أنها بدأت تتضح فعلا.
24