لكي تكون ثورة

الجمعة 2014/07/04

شهد ليل 1-2 تموز الجاري بداية حراك شعبي في عدد من مناطق الجنوب العراقي ابتداء من مدينة كربلاء دفاعا عن، وتضامنا مع، المرجع الشيعي آية الله الصرخي الحسني بعد أن قامت قوات حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي بمحاصرة حوزته العلمية في كربلاء، لكون هذا المرجع الديني المعارض يقف علانية ضد التغلغل الإيراني والتدخلات الواسعة التي تمارسها قوات النظام الإيراني في العراق دعما لحكومة المالكي، خصوصا بعد انتفاضة المناطق الشمالية الغربية التي خرجت في معظمها عن سيطرتها.

من الواضح أن حراكا شعبيا في المناطق الجنوبية وفي بغداد، وحيث التغلغل الإيراني الواسع والتدخل في كل تفاصيل حياة الناس، إذا قدر له أن يتوسع، فسيطبق الخناق على المافيا الحاكمة برئاسة المالكي، ويمثل فك الكماشة الثاني الضروري لإسقاط هذه المافيا.

فهل تستعد مدن الجنوب العراقي لملاقاة «ثورة العشائر» العراقية في الشمال والغرب؟

وهل يطبق فكا الكماشة على نظام المالكي المافيوي التبعي، وتنفجر بغداد في وجهه خلال الأيام القليلة القادمة؟

لا شك أن الظرف الموضوعي في كل العراق قابل للاشتعال، إذ أن تصاعد الضغوط الاجتماعية الاقتصادية على غالبية ساحقة من العراقيين أوصلتهم إلى حافة الإملاق في بلد يُعدّ من أغنى بلاد العالم، يتعرض منذ الاجتياح الأميركي الأطلسي إلى أوسع عملية سطو على الثروات والمقدرات، وأكبر عملية تدمير للمجتمع وللقطاعات الخدمية الأساسية التي تهم الغالبية الساحقة من المواطنين نتيجة تغول الفساد الذي تمارسه الأوساط المافيوية الحاكمة، والمحمي بقوة من الرعاة الخارجيين وفي مقدمهم أميركا وإيران.

وبالتأكيد، فإنه لن تكون هناك ثورة في العراق يناصبها أكثر من نصف الشعب العراقي العداء، وهذا ما توخاه نوري المالكي ومن معه من قوى مافيوية ومرجعيات دينية، ومن ورائهم نظام إيران، وساهم فيه باقي النظامين الإقليمي والدولي من خلال أوسع حملة إعلامية وسياسية لتشويه ما يمكن أن يسمى حتى اليوم «ثورة العشائر» التي أخرجت ست محافظات عراقية حتى الآن عن سيطرته، من خلال وسمها بأنها «غزوة داعشية»، وأن من يقوم بها هم إرهابيون تابعون، بشكل أو بآخر، لـ«داعش».

لم يكفّ المالكي ومن معه عن قرع طبول الحرب الطائفية في محاولة أخيرة منهم لزج ما يمكن من الشباب العراقي «الشيعي» في مواجهة مفتوحة مع «ثورة العشائر»، منعا لانهيار سلطتهم.

(وها هو اليوم يعلن عن إنشاء وزارة خصيصا من أجل ذلك) فبادروا إلى تشكيل ميليشيات عسكرية طائفية يشرف عليها تدريبا وتسليحا وحتى قيادة، عناصر من الحرس الثوري الإيراني ومن قوات «الباسيج»، في محاولة لتعويض ما انهـار من قوات الجيش والأمن التابعة للنظام.

وهكذا يشهر المالكي ومن معه سلاحهم الأخير في وجه العراقيين: الاقتتال الطائفي الذي يعززه وجود داعش وأخواتها بين ظهراني الثـورة، والتخويـف مـن عودة البعـث مع ما رسخ في الذاكرة عنـه من جرائم بحق العراقيين ونظام شمولي دموي مستبدّ.

في المقابل، ورغم الحصار الإعلامي، فقد أكدت كل البيانات والتصريحات الصادرة عن قوى الثورة أنها ثورة لكل العراقيين، لا صلة لها بـ”داعش”، هدفها ليس تحسين شروط العملية السياسية سيئة الصيت، وإنما إسقاطها بالكامل، وإسقاط النظام التحاصصي الطائفي والتبعي الذي قام على أساسها.

غير أن انخراطا واسعا للجنوبيين والبغداديين في الثورة يحتاج إلى تجريد المالكي بالكامل من هذين السلاحين من خلال، تبني القوى المنخرطة في «ثورة العشائر» موقفا عمليا- صراعيا مع «داعش» ومن هم على شاكلتها، يهدف إلى اجتثاثها نهائيا من الصورة، والتأكيد على أن الثورة العراقية تهدف إلى بناء وطن حرّ لكل العراقيين الأحرار دون أيّ تمييز أو تفرقة تبعا لانتماءاتهم الموروثة سواء من حيث الدين أو العرق أو الجنس أو المنطقة، وموقفا مبدئيا وعلنيا كذلك من البعثيين يؤكد اعتذارهم للعراقيين جميعا عن مرحلة نظامهم الشمولي، الذي كان سببا أساسيا من الأسباب التي أوصلت العراق إلى ما هو فيه.

إن القوى التي تخوض الصراع اليوم في وجه “نظام العملية السياسية” الذي أنشأه الاحتلال الأميركي والذي يقوده المالكي، لن تكون ثورية إلا بقدر ما تستطيع تحشيد كل العراقيين المتضررين من هذا النظام وصولا إلى إسقاطه.


كاتب لبناني

8