لكي لا تصبح الديمقراطية خطرا على نفسها

الاثنين 2016/10/31

هكذا يزعمون وبهذا النحو يزايدون: لكي تكون ديمقراطيا عليك أن تقبل بكل القرارات الصادرة عن أي حكومة منتخبة ديمقراطيا، ولا سيما إن كانت الحكومة المنتخبة ديمقراطيا تمثل أيضا ثقافة الأغلبية، ديانة الأغلبية، مذهب الأغلبية، طائفة الأغلبية، أو أساطير الأغلبية.

أكثر من ذلك، لكي تكون ديمقراطيا يجب عليك أن تتقاسم مع الشعب نفس آرائه وقناعاته بالتمام، وإلّا فأنت مجرّد أقلية، والأقلية لا يجوز لها أن تفارق الجماعة وتخرج عنها بأي حال من الأحوال، بل عليها أن تنضبط للرّأي العام وهي صاغرة منقادة بلا نقد ولا انتقاد. أن تكون ديمقراطيا معناه أن ترى نفس رأي “الرّأي العام”، أو تسكت حتى لا تصير خارجا عن إجماع الأمة. على أن المسألة لها وجه آخر: إذا كنت أوروبيا فسرعان ما تنقلب الآية ويصبح عليك أن تحترم الأقلية المسلمة هذه المرّة؛ هذا وجه آخر، ومقام آخر. فلنعد إلى الوجه الأوّل.

بلا شك، يتعلق الأمر بنمط من أنماط الشّعبوية التي لا تخدم الديمقراطية بقدر ما تمثل خطرا عليها من داخلها. مقصود القول، إنّ المزايدات الشعبويّة باسم الأغلبية الانتخابية والمشروعية الديمقراطية هي أيضا فرصة للفت الانتباه إلى أنّنا فعلا أمام معضلة نظرية تحتاج إلى وقفة تأمل:

دعنا نعترف ابتداء بأنّ الديمقراطية الحديثة تعاني، في كل أحوالها، من نوع من أنواع الهشاشة الأصلية، والتي تجعلها عرضة لإمكانية الانهيار من الدّاخل.

فالديمقراطية التي تعني إرادة الشعب، ورأي الأغلبية، وسلطة الرّأي العام، قد تتحوّل إلى دكتاتورية باسم إرادة الشعب، ورأي الغالبية، وسلطة الرّأي العام. هذا ما حدث في النصف الأوّل من القرن العشرين عندما صعدت النازية باسم الأغلبية الانتخابية، وباسم الإرادة الشعبية. وهو الشبح نفسه الذي لا يزال يطل على عدد من الديمقراطيات الحديثة اليوم، لا سيما عندما يحقق اليمين المتطرف نتائج انتخابية معتبرة.

تلك الهشاشة الأصلية للديمقراطية لا تقبل أيّ شفاء نهائي. إنها مثل المرض المزمن الذي لا يمكننا إلاّ أن نتعايش معه. لكن، لأجل أن ننجح في التعايش معه أمدا طويلا دون أن يهلكنا فلا بد من تدابير حازمة قد لا تخلو من “سلطوية” في بعض الأحيان. في هذا الخصوص اهتدى الوعي الديمقراطي المعاصر إلى تدابير تنظيمية ومؤسساتية، بوسعنا أن نعرضها على النحو التالي:

1- دسترة حقوق الأقليات والحريات الفردية وحرية الإعلام والمساواة بين الجنسين، كما هي متعارف عليها دوليا، ومن دون تحفظات تُذكر

2- تفويض الحق في تأويل الدّستور لهيئة قضائية مختصّة لا ترتبط هيكلتها بنتائج الانتخابات وباتجاهات الرأي العام.

3- الحفاظ على مسافة زمنية معتبرة بين كل من الانتخابات التشريعية والرئاسية، لتفادي أيّ صدمة انتخابية قد تفضي إلى هيمنة أحد الأطراف على كل دواليب الدولة.

4- إجراء الانتخابات العامة في دورتين، من أجل إتاحة الفرصة لتحالفات قد تقلص من هيمنة الطرف الفائز في الدور الأول.

5- عدم السماح للحاكم بأكثر من ولايتين متتاليتين مهما كانت إنجازاته وشعبيته.

6- عدم اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي إلّا في الحالات القصوى، وعندما يحصل التوافق بين غالبيّة النّخب السياسية والثقافية حول آلية الاستفتاء.

7- دعم الإعلام كسلطة رابعة مستقلة.

8- دعم المجتمع المدني كسلطة مضادّة.

غاية هذه الإجراءات التنظيمية والمؤسساتية هي حماية الديمقراطية من مخاطرها الداخلية حتى لا تنقلب على نفسها كما حدث مرارا. تلك الإجراءات أبدعها الوعي الديمقراطي المعاصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أثناء مراجعاته لنكسات البناء الديمقراطي في فرنسا وألمانيا وغيرهما خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وذلك للحدّ من تفشي فيروس الشعبوية الذي يمكن اعتباره بمثابة داء مزمن وملازم للبناء الديمقراطي نفسه.

ليست الديمقراطية عصا سحرية تحلّ المشكلات من تلقاء نفسها كما يتوهم أنصار الشعبوية والفوضوية وغزوات الصناديق، بل لعلها تعاني من خلل كامن فيها يجعلها عرضة للانهيار من الداخل. ذلك الخلل مثل الفيروس الذي لا يمكن التخلص منه بالكامل، لكن من الممكن التحكم فيه، التخفيف من أعراضه وبالأحرى التعايش معه. أي نعم، يحتاج البناء الديمقراطي إلى بنّائين أذكياء. وهذا ما نغفله حينا، ونتغاضى عنه أحيانا.

كاتب مغربي

9