لكي لا نخسر كل شيء

الاثنين 2015/01/26

ربّما يحقّ لنا أن نتوجّس ونحن نرى إيران تكتسح مواقع نفوذ واسعة في العراق ولبنان واليمن وسوريا وربما غزة قريبا، ما سيمنحها أوراقا قوية في التفاوض مع الغرب والشرق على حد سواء. وربما يحق لنا أن نغضب بسبب إشارات التقارب الأميركي الإيراني على خلفية الحرب على الإرهاب، وعلى حساب ما نسميه عادة بالأمن القومي العربي، لعل الحق معنا في أن ننزعج، فالأمر متعلق بحالة من حالات الإخفاق، بل إفلاس ما يسمى النظام العربي. لكن، لا يجوز لنا أن نتنصل من مسؤولياتنا في هذا المآل. القادم قد يكون أسوأ، ولابد من وقفة مع الذات أولا.

قلناها مرات، الحرب الحالية على الإرهاب العالمي ليست كسابقتها التي أعقبت 11 سبتمبر. هذه الحرب قد تستغرق سنوات، لكنّها تمثل فيصلا في إعادة صياغة الاصطفاف الدولي والإقليمي. وحدهم المساهمون بفعالية من سيجلسون على الطاولة في الأخير. وإذا كان الأمر كذلك فالملاحظ أنّ العالم العربي، ومعه تركيا، لا يزال إلى حدود الساعة يمثل ثغرة أمام إمكانية حسم الحرب على الإرهاب، إذ نراه منسحبا أحيانا، متلكئا أحيانا، وعاجزا أحيانا أخرى. هذا في الوقت الذي فرض فيه الإرهاب باسم الإسلام نفسه على العالم كخطر على الأمن العالمي. ومن ثمّة واضح كيف يحتاج العالم إلى شركاء من داخل منظومة الإسلام لغاية كسب الحرب على الإرهاب.

كان واضحا أن الضربات الجوية على داعش قد توقف زحفه، لكنّها لن تهزمه دون مساعدة من قوة برية تضم بالأوْلى مقاتلين مسلمين. كان أمرا مستحسنا ألا تُستدعى إيران للمشاركة في الحرب على الإرهاب، إن بسبب الوضع السوري أو لتفادي اللغم الطائفي، وقد كان من شأن انخراط إيران أن يمنح للمتطرفين مبررا للتجييش، لكن، حتى السياسة تخشى الفراغ. وآجلا أم عاجلا كانت إيران أو غيرها ستملأ الفراغ. وقد بدا هذا جليا منذ دعم إيران لقوات البيشمركة. لكن هل نحن العرب السنة تركنا الفراغ؟

راهن بعضنا على متطرفينا لأجل ملء الفراغ وإحداث نوع من التوازن الإستراتيجي مع إيران. وفي أجواء التجييش المذهبي والطائفي الذي ساهم فيه “شيوخ الفتنة” نمت الظاهرة الداعشية ومعها تجذرت القابلية للدعوشة في الكثير من المجتمعات العربية زائد المجتمع التركي. وكان رهان البعض أن يُضرب الوحش بالوحش.

هنا المشكلة، فقد انفلت وحشنا على حين غرّة من عقاله، وبات يهدد السلم العالمي في كل مكان. يبقى الوحش وحشا في كل الأحوال وبصرف النظر عن طائفته ومذهبه، لكن بالنسبة إلى العالم، ثمّة فرق بين وحش يقتصر خطره على مناطق نفوذ محدّدة ويمكن التفاوض معه على هذا الأساس، ووحش معولم قد يضرب أي مكان وفي أي زمان ولأي سبب. فليس مستغربا أن يعتبر العالم محاربة الإرهاب المعولم أولوية الأولويات.

أميركا اعتبرت مرارا أنّ نظام الأسد يمثل تهديدا محليا، لكن داعش تمثل تهديدا عالميا. قد يقال لنا، إنها كلمة حق يراد بها باطل، لكن لا ننسى هذا: إنها كلمة حق أوّلا. هناك مسؤولون أميركيون من قبيل هنري كيسنجر، يعتبرون أن الخطر الإيراني سيدوم زمنا أطول من خطر القاعدة وداعش، لكن هل يمكن إقناع الإنسان الغربي بأنّ خطرا يهدد حياته الآن، أقل ضررا من خطر قد يهدده بعد حين؟

النقد واجب إنساني، وكذلك هو نقد مآلات الحرب على الإرهاب، لكن النقد لا يجب أن يكون مدعاة للتنصل من المسؤولية. الموقف الأنسب الآن هو أن نكون شركاء فاعلين في الحرب على الإرهاب، لاسيما وأنّ الإرهاب ثمرة بيئتنا وحساباتنا. لابد أن نفتح الجبهة الفكرية للحرب. وبعد ذلك، نصبح جاهزين لأي تحد آخر، وإلا فإننا قد نخسر كل شيء.


كاتب مغربي

8