لكي لا يُختطف انتصار الموصل

الثلاثاء 2017/07/18

بجميع المقاييس الوطنية يعتبر الانتصار العسكري على تنظيم داعش الإرهابي مكسبا تاريخيا لأهل الموصل ولشعب العراق وللإنسانية. ذلك أن هذا التنظيم الظلامي حين أسس “دولته” واختار الموصل عاصمة لها أراد أن يتوج لمرحلة سيادة الطائفية في أبشع صورها وهو التطرف الإرهابي، وأراد إهانة العراقيين ووضعهم تحت احتلال جديد لم تعرفه البشرية من قبل، وأن يسود احتراب طويل بين مكونات العراق، وأراد أن يجدد تقنين إهانة رمز مهم من رموز سيادة هذا البلد وهو الجيش العراقي الذي أهين عدة مرات خلال الخمسة عشرة سنة الماضية فقد أهانه الاحتلال الأميركي بحله وطرد منتسبيه وتشريد غالبيتهم وتحويلهم إلى طعم للتطرف.

ذلك القرار الذي رحبت به وساندته قوى طائفية محلية وأخرى خارجية من بينها إسرائيل وضع مقدمات مرحلة التفتيت لأهم مكونات دولة العراق ومؤسساته العريقة، وأهين هذا الجيش حين تم ترتيب وتسهيل هزيمته العسكرية في السادس من يونيو 2014 في الموصل وباقي المحافظات السنية على يد عصابة متطرفة وفدت من خارج العراق وغررت ببعض العراقيين ثم قمعتهم.

وجهت تلك الهزيمة العسكرية الطعنة لأهل الموصل قبل غيرهم، حيث وضعوا تحت أغلال ذلك التنظيم الوحشي لثلاث سنوات تعرضوا خلالها لأبشع أنواع القتل والتعذيب النفسي والحرمان من أبسط مقومات الحياة، لكن مقاومتهم كانت تتجاوب مع ما يمتلكونه من تاريخ عراقي أصيل لمواجهة أبشع صنوف الاحتلال، رغم ما تعرضوا له خلال تلك الأيام العصيبة من حملات التشويه بأصالتهم وتشبثهم بعراقيتهم.

كما نُسجت الكثير من الخطط المحلية والإقليمية والدولية لتحويل نهاية معركة الموصل إلى مشاريع للتفكيك والتقسيم وإعادة إنتاج الطائفية السياسية وقادتها من الطبقة السياسية التي ثبت فشلها، وتسهيل مشروع لبننة العراق. ولهذه الأسباب وغيرها وكل وقائع أزمة العراقيين مع الأحزاب الطائفية السنية والشيعية، كان مطلوباً أن تكون المنازلة التاريخية ضد داعش وطنية عراقية صرفة لتفتح الأبواب أمام إرساء دعائم الوحدة الوطنية في كل العراق، وقد استطاع رئيس الوزراء حيدر العبادي تلمّس الطريق الوطني السليم في جهده بإعادة بناء القوات المسلحة وإدارته السليمة لمؤسسة القوات المسلحة وتخليصها من الفساد وتوجيهها نحو الهدف الأسمى وهو التحرير والانتصار العسكري بالموصل.

لكن هذا الانتصار العسكري العراقي وليس الطائفي- كما يزعم البعض- بحاجة إلى تحقيق انتصار سياسي يهزم الطائفية السياسية في العراق، وتلك مهمة كل الوطنيين داخل التحالف الشيعي والسني وخارجه، وهي مهمة شاقة لا يتمكن لا العبادي ولا غيره من فريق الكتلة الوطنية المنشودة من مواجهة الحيتان الطائفية التي تحاول استثمار النصر العسكري لأغراض تجديد المشروع الطائفي الذي تفكك وتصدعت أركانه بالفساد والفشل.

لقد بدأت مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ العراق يمكن أن تعزز مكانة الطائفيين ويقاد العراق إلى مهاوي الاحتراب والتفكك بواسطة السياسيين المتمسكين بطائفتهم السياسية، سواء عبر تسويق موديلات جديدة لهيمنة الإسلام السياسي عبر مؤتمرات سنية لتعزيز ما يسمى بالبيت السني الطائفي المدعوم من الخارج، أو بدعوات متطرفة انعزالية من بعض أطراف البيت الشيعي أو من خارجه لتجيير الانتصار العسكري برؤية طائفية مفادها أن “الشيعة هم الذين انتصروا وناصروا السنة وقدموا الدماء لهم ولهذا فلا بد أن ينالوا المكافأة بالتسيد الطائفي”. وهي نظرة لا يقبلها العراقيون العرب سنة وشيعة، فقد كانت الدماء العراقية على ربى الموصل عراقية. ومن الجريمة أن توضع تحت مسطرة التمايز الطائفي، وهو تشويه لحقائق التاريخ والجغرافيا القائلة بأن العراقيين يقدمون التضحيات بلا هوية طائفية وإنما بهوية عراقية وطنية وتاريخهم يشهد على ذلك.

وقد بدأت تبرز منذ معركة الموصل وبعد لحظات من تتويج النصر العسكري، شعارات ومظاهر تسعى إلى تأجيج الطائفي سواء بعمليات الانتهاكات اللانسانية ضد عراقيين لا يعرف إن كانوا داعشيين أم لا، أو من خلال تسويق ما يسمى بالتسوية السياسية بين السياسيين الشيعة والسنة، علماً بأنهم ظلوا خلال السنوات الماضية فريقاً طائفياً واحداً نفذ مشروع الطائفية السياسية في العراق كل بطريقته الخاصة، وقد اختلفوا حول حصص المواقع والمنافع ولا علاقة لذلك بمصالح وحقوق الشعب العراقي سواء ما نتج عن احتلال داعش من تهجير وقتل وتدمير أو بالحقوق العامة المسلوبة في خدمات الكهرباء والماء والصحة والتعليم والأمن.

هذا الجو والمناخ المرتبكان المدعومان بأدوات عسكرية تقود إلى عسكرة المجتمع وبقاء السلاح منفلتاً خارج القانون والحكومة سيقودان سريعاً إلى استقطابات خطيرة داخل فرقاء العملية السياسية وأحزابها، كجزء من مهمة إشاعة عدم الاستقرار والتأجيج الطائفي التي تنتعش من خلالها الطبقة السياسية الفاشلة شعورا منها بأن الاستقرار في البلد سيفقدهم امتيازاتهم، فالطائفية السياسية تعتاش على توليد الأزمات والإرباك وتعزيز الانقسام.

إن قوى الفشل والطائفية تريد اختطاف النصر العسكري العراقي من خلال تحويله إلى نصر طائفي وليس نصرا وطنيا، وتوظيفه لهيمنة الإسلام السياسي الشيعي والسني مجددا، وهناك إصرار على إبقاء وإدامة العوامل والأسباب التي أنتجت داعش وهي واضحة عبّرت عنها مجموعة السياسات والإجراءات الكثيرة المتراكمة منذ عام 2003 ولحد الآن، والتي ارتكزت على الفرقة الطائفية والتهميش السياسي وإشاعة الكراهية والثأر واستبعاد المحاولات الوطنية العراقية الجادة لإقامة مشروع المواطنة العراقية. وهناك استعدادات متعددة لقتل روح الانتصار على داعش لا بد من مواجهتها بشجاعة وجدّية من أعلى المستويات السياسية في البلد.

إن الانتصار العسكري لوحده لن يُنهي قوى الإرهاب والتطرف من العراق من دون وضع قواعد ومنطلقات الانتصار السياسي بواسطة فريق من نخب السياسيين العراقيين، شيعة وسنة، من داخل العملية السياسية وخارجها يمكن أن يقوده العبادي حالياً لكونه يمتلك السلطة التنفيذية والسياسية، ولدى هذا الفريق الجديد الذي لا يحتاج قيامه إلى تشريعات أو تعديلات دستورية رؤية وطنية واضحة وجادة ومنهج سياسي جديد يزيح جميع الأسباب الجوهرية التي أدت إلى اجتياح داعش للعراق، ويكون قادراً على الإيفاء بمتطلبات المرحلة الجديدة ومستلزماتها الأولى القيام بسلسلة إجراءات إدارية وسياسية عاجلة تلتقط النصر على داعش وتغلق الأبواب على مشاريع تجديد الطائفية، ويتمكن رئيس الحكومة العبادي بقيادتها إن أراد لنفسه استكمال مهمته الوطنية بجرأة.

هذه الإجراءات يجب أن تبدأ بقطيعة واضحة مع السياسات الطائفية التي ألحقت أضراراً فادحة بالبلد وأهله، وهي معروفة ترتبط بإجراءات وليس شعارات إعلامية، وأن يكون هذا الفريق اللاطائفي المنتظر متسلحاً بالحزام الجماهيري الواسع وهو قائم وموجود ويحتاج إلى روح جديدة من سياسيين خيرين وهم كثر في هذا البلد. أليس من الصحيح بعد كل فصول المرحلة السابقة أن يقال للفاشل والسارق كفى وعليك أن تتنحى عن الطريق وتترك المسؤولية لعراقيين نظيفي الأيدي وبعيدين عن شبهات التطرف أو دعم الإرهاب. وإحلال من هم معروفون بعدم طائفيتهم السياسية والذين ذاقوا ذرعاً بسياسات أحزابهم رغم كونهم داخلها سواء داخل البيت الشيعي أو السني.

هذا البرنامج الوطني الجديد بنخبه الخيرة قادر على الضغط على قيادات الأحزاب للتخلي عن المناورات السياسية الضيقة ومهرجاناتها الشكلية مثل المؤتمرات الطائفية ومشاريع التسوية ودعوات تضييق النصر في الموصل على طائفة دون أخرى.

إن بدايات التحول السياسي نحو الوطنية العراقية تتمثل بالخطوات الحكومية العاجلة من قبل العبادي في الإشراف المركزي على آثار ومخلفات الحرب على داعش بالموصل وفي مقدمتها تطبيق شعار “حماية المواطن” الذي رفعه العبادي نفسه خلال فصول المعركة، وهناك سلسلة كبيرة من تلك الإجراءات التي من خلالها يمكن قياس ملامح التحول المطلوب مثل عمليات فرز من هم داعشيون والموالون لهم عن الأبرياء من المدنيين من أهل الموصل، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وإحالة المتهمين بالعلاقة بداعش إلى القضاء العادل، ومنع استثمار هذه الحالة الطارئة لأغراض التجييش الطائفي.

أما إذا عجز حيدر العبادي وفريق السياسيين اللاطائفيين من السنة والشيعة عن تحمل هذه المسؤولية الوطنية الجديدة، فسيدخل العراق منعطفا طائفيا خطيرا يتجاوب مع مشاريع إبقاء العراق مفككاً ضعيفاً لتسهيل تقسيم المنطقة، بعد أن يعاد إنتاج الطائفية في العراق بقوة وشراسة وستعج الساحة السياسية العراقية بالمناورات وستزدحم شوارع بغداد بمظاهر تجييش طائفي تحت عناوين أكثر خطورة.

كاتب عراقي

9