لكي نخرج من الحلقة المفرغة

الاثنين 2016/09/19

العشرات من السنوات مرّت على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، العشرات من العقود مرّت على الثورة الفرنسية، العشرات من القرون مرّت على بداية التاريخ والحضارة، مدارج عديدة ارتقتها البشرية صعودا من عصر القطعان إلى حضارة الإنسان، وصولا أخيرا إلى عتبة عصر الإنسان المتطور جينيا.

رغم هذا الارتقاء المبهر لكل المخاوف والآمال، رغم كل مظاهر السمو الإنساني والأخلاقي والتقني التي لا يمكن إنكارها، لا تزال الحضارة المعاصرة تشكو من مظالم تقضّ المضاجع أحيانا، وتثير المواجع في بعض الأحيان. لكن المتفائل مثلي بوسعه النظر إلى النصف المملوء من الكأس. وبلا شكّ، فإن نصف الكأس مملوء على نحو لا مثيل له في العصور الخالية، حيث لم تكن ثمة قوانين تحمي الضعفاء سوى المراهنة على غرائز الشفقة وتقديرات المزاج العام.

في المقابل، يمكن للمتشائم، مثلي في بعض الأحيان، أن ينظر إلى النصف الفارغ من الكأس، وبكل تأكيد لا أحد ينكر وجود نصف فارغ طالما يتعلق الأمر بصيرورة متواصلة قد لا تكتمل قريبا، وقد لا تكتمل أبدا، وهذا باعتراف الحداثة نفسها التي يقول عنها هابرماس إنها مشروع لا يكتمل. عموما، وكما يقول شاعرنا القديم، لكل شيء إذا ما تم نقصان. يصدق هذا الحكم على كل الأشياء، ويصدق على كل الحضارات بما فيها الحضارة المعاصرة. من هنا ارتبطت دينامية الحداثة بإعمال العقل النقدي كدافع للتجاوز الدائم نحو الأفضل. الدرس الأساس للحداثة أنها ليست تطبيقا ناجزا لخطة جاهزة، لكنها صيرورة نقدية ناجمة عن رغبة الوعي في تجاوز الكائن نحو الممكن، وتخطي الواقع نحو المتوقع، إنها ثمرة من ثمرات الطاقة الحيوية التي توجه الإنسان نحو السمو والرقي والاندفاع إلى تخطي الأحوال وطلب المحال.

ثمة في العالم الرّاهن من المظالم ما يستدعي رفع وتيرة المقاومة، ويستدعي قبل ذلك الكثير من الجهد لأجل تحسين شروط المقاومة. فرغم كل مكتسبات الحضارة المعاصرة التي لا ينكرها إلا جاحد، لا يزال الطريق إلى القضاء على الفقر والبُؤس والظلم طويلا، كما لا يخلو عالم اليوم من احتلال ونهب للخيرات واستنزاف للثروات، ولا تزال الغرائز البدائية السلبية تطغى على الإنسان بين الفينة والأخرى، غرائز الجشع والطمع والغيرة والحسد. وبعد عقود على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا تزال تنتشر مظاهر الظلم وانتهاك الكرامة الإنسانية. وهذا ما يستوجب المقاومة لأجل تحسين جودة الحياة، غير أن هناك استنتاجا آخر:

كلما أطلقنا شرارة المقاومة إلاّ وجاءت قوى الفتنة والتكفير من كل فج عميق، لتقفز على الحراك. حدث هذا الاختطاف أثناء ما سُمي بـ“الرّبيع العربي”، وحدث أثناء “الثورة” السورية، وحدث أثناء المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي في عام 2003، وحدث أيضا لحركة التّحرير الفلسطينية خلال العقود الماضية، كما حدث بالنسبة إلى حركات التحرر الوطني بشكل عام، وهو نفس الاختطاف الذي تعرضت له الثورة الإيرانية.

في واقع الحال، وبكثير من التواطؤ السياسي والسذاجة الأيديولوجية، كانت بعض الآمال معقودة وقتها على أنّ الخطاب الديني سيلهب حماسة الشعوب لأجل مقاومة الظلم بزخم أكبر! كانت تلك الآمال نقطة تقاطع تيارات مهدوية دينية ويسارية وقومية مختلفة، لكنها كانت آمالا خائبة في الحساب الأخير. كانت الآمال لدى بعض اليساريين معقودة على أن الخطاب الديني الثوري قد يكون حليفا فعالا ضدّ الإمبريالية. كان ذلك الرهان رهان البعض من القوى اليسارية الغربية التي حاولت بدرجات متفاوتة توظيف “الإسلام السياسي” لغاية تمرير البعض من الأفكار التقدمية تحت غطاء ديني، على منوال “لاهوت التحرير”، أو طمعا في بناء جبهة عالمية لمحاصرة الإمبريالية. وقد كتب الزّعيم اليساري البريطاني كريس هارمن عام 1994 مقالا مرجعيا شهيرا بعنوان “النبي والبروليتاريا”، حاول من خلاله صياغة معادلة يسارية جديدة في التعامل مع الإسلاميين “نكون معهم عندما يكونون في المعارضة، نكون ضدهم عندما يكونون في السلطة”. لكن، لم يمض وقت طويل حتى عادت نفس القوى اليسارية تشتكي من تواطؤ “الإسلام السياسي” مع “الإمبريالية الأميركية”. فهل استوعبنا الدرس أم سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة؟

أقول إن معرفة العالم الذي نعيش فيه شرط ضروريّ لتحقق الوعي، طالما أنّ الوعي هو القدرة على التموقع في الزّمان والمكان. لكن، حين يتعلق الأمر بالنقاش العمومي فإنّ المسألة الأكثر فعالية أن نناقش شروط المقاومة. والسّؤال الآن: لماذا كلما حاولنا أن نقاوم لأجل تغيير حياتنا وتحسين أحوالنا وتحقيق آمالنا، إلاّ وسقطنا في أتون الفتنة، وجحيم الاحتراب، وبراثن التناحر الطائفي؟

لا نعرف متى سيحدث ذلك، لا نعرف إن كان سيحدث يوما ما أم لا، لكننا بكل تأكيد عندما سنبدأ في الحديث عن شروط المقاومة، عندما سنتكلم عن بيتنا الداخلي بوعي نقدي، سنكون وقتها قد انتقلنا من مجال المزايدة الانفعالية على مواقف الآخرين إلى مناقشة البنيات الذهنية التقليدية الكامنة فينا، والتي تمثل العائق الأكبر أمام فعالية المقاومة، سواء قصدنا مقاومة احتلال الأوطان، أو قصدنا مقاومة استبداد الإنسان، أو قصدنا مقاومة التخلّف الكامن في الأذهان،.

كاتب مغربي

9