للثقافة أوجه كثيرة

الجمعة 2016/02/05

حملت دور النشر العربية خلال قرنين من الزمان -إلى جانب هدفها التجاري- رسالة ثقافية ذات مستوى رفيع، بعد أن عرفت بلادنا العربية المطبعة التي منحتنا الكتاب، الذي يعتبر أكثر تجليات الوعي البشري عظمة، والذي يعبّر عن تفوق الإنسان على كافة المخلوقات، ومن خلاله تفرّد الإنسان بحفظ تاريخه، ونقل تراثه الممتد في تجاربه الأولى، واحتضانه وحراسته وحمله إلى مستقبله، فلولا الكتاب والكتابة لما وصلنا خبر الحضارات ولا إنجازاتها وآدابها وفنونها؛ الكتابة التي عرفها ويل ديورانت بأنها القناة الأساسية لنقل المعرفة وحفظها، والجسر الذي عبرت منه الحضارات ونتاجها نحو الزمن الآتي، حيث يجري هضمها وإعادة تركيبها وتكييفها في ضوء متطلبات الواقع المتجدد.

لقد كان الكتاب العربي على مدى العشرات من السنين رمزا للتفكير وشفرة للحضارة، أخرجته المطبعة في صورة بهية عبرت عن حالة ثقافية تميزت بها فترات زمنية مرت على عالمنا العربي. إلا أنه أصبح يمرّ بأزمة صعبة، بعد تحويل بعض الناشرين لتلك المهنة ذات الرسالة إلى مجرد تجارة بحتة لا ترفع من شأن المجتمع وقيمته، بل تعمل على إسقاطه.

أذكر أنني حضرت بالصدفة جلسة اتفاق على نشر ديوان منذ شهور في إحدى دور النشر المرموقة، وبعد فحص عميق في وقت لم يتجاوز الخمس دقائق رفع الناشر رأسه ليخاطب الكاتب وقال له “حلو.. بياع إن شاء الله”. وحينما سألت الناشر نفسه عن إمكانية نشر كتابات تناقش موضوعات تاريخية، أجابني بالنفي “إحنا بننشر إبداع بس. مش بننشر أعمال فكرية”. غادرت مكتبه وأنا أقول لنفسي: وكأن الفكر ليس إبداعا.

في مصر ونحن نحتفل بالدورة السابعة والأربعين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، لفت نظري تعليق أحد القراء على الفيسبوك بأنه “يجب تغيير اسمه إلى معرض القاهرة الدولي للرواية والشعر”. وعلق آخر ساخرا “إن من بين كل ثلاثة قراء يزورون المعرض هناك كاتب”، وآخر طلب من أصدقائه أسماء كتب مترجمة لأنه لا يثق في المعروض المحلي. وقد لا يتفق البعض مع هؤلاء، فالكتابة عظيمة ومطلوبة ورسالتها راقية، ولكن ازدياد عدد المؤلفين غير الموهوبين بهذا الشكل اللافت ليس انعكاسا لحالة ثقافية فريدة كما يزعم البعض، لكنه عائد إلى رغبة الناشرين في الكسب السريع ومراجعة للأعمال، فمنذ سنوات بادر بعضهم بالإعلان عن نظام الشراكة بين الناشر والمؤلف الذي يدفع نصف التكاليف أو كلها حتى يتم الإسراع في النشر، ووجد البعض أنها فرصة لنشر أعماله التي لم تجد قبولا لدى بعض كبار الناشرين. وعلى الرغم من معرفة الناشر بأن كاتبا ما غير موهوب، لكنه ينشر له ويساهم في صعوده، بل ويقوم بتكريمه، ما دام يدفع، حتى باتت ظاهرة تحتاج إلى الكثير من الدراسة والفحص والمراجعة.

وبعد مروري على كثير من دور النشر الخاصة وجدت أن نسبة كبيرة من المادة المطبوعة تتراوح ما بين الشعر والرواية والقصص القصيرة، والبعض من الكتب السياسية التي تفتقر إلى التخصص في أغلبها، أو تهاجم فصائل سياسية بما يتناغم مع إيقاع النظم العربية الحاكمة. ولو أردنا الكتب السياسية والعلمية والتاريخية، أو الأعمال النقدية الجادة والأدب الرفيع، فإنه يجب علينا أن نلجأ إلى دور النشر الحكومية التي تختار بمعايير تحددها لجان علمية متخصصة، بالإضافة إلى أنها جهات يمكنها قبول مثل تلك النوعية الثقيلة من الكتابات. وتستثنى من حديثنا دور النشر الخاصة -وهي قليلة- التي تختار الأعمال المعروضة عليها بضوابط صارمة تخضع لمعايير ومراجعات دقيقة، وإن كان أغلبها ينشر الأعمال الأدبية فقط، ويتجنب الكتب العلمية لثقل تسويقها.

لقد صرح هيثم الحاج علي رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب خلال أحد لقاءاته الإعلامية منذ أيام بأنه “للثقافة أوجه كثيرة. كفانا شعرا. نريد علوما”. وقد يتعجب البعض من حديثه وهو الناقد الأدبي، لكنه وضع أصابعه على جرح عميق فهو الأديب العالم الذي يعي أهمية نشر العلوم والأدب على السواء في دولة تحاول التقدم للأمام بعد سنوات من التراجع.

كاتب من مصر

14