للجمال ثقافة عنوانها "غراس"

الجمعة 2014/09/12

رحلتنا إلى “الكوت دازور”، لم تنته بعد، فمن غير المعقول، أن نصل كان ولا نمرّ، ولو لليلة واحدة، بنيس وموناكو.

صباحا كنا أربعتنا، علاوة على سيارتنا ورفيقنا الخامس -دليلنا الذي لا ثبات دونه بين ثنايا الخلجان وجبال الريفييرا الفرنسية “الجي بي أس”- على أتمّ الاستعداد للذهاب رأسا إلى نيس أولا، فموناكو ثانيا.

إلاّ أنّ قائد رحلتنا، تذكّر أنّه التقى ليلا مع مهاجر تونسي طال به المقام واستتب له الحال بكان، نصحه بالمرور في طريقه إلى نيس -عبر الطريق الرئيسية، لا الطريق السيارة طبعا- بمدينة غراس، أو بعبارة أدق قرية غراس الحالمة.

فصاحبي كان يبحث عن بعض قطع الغيار المستعملة لسياراته وشاحناته مصدر رزقه وحظوته، وغراس فيها كل ما يطلب، أو هكذا خيّل إلينا!

المهم، الطريق إلى غراس، لا تقلّ جمالا وسحرا عمّا سبق أن شاهدناه في طريق رحلتنا من مرسيليا إلى كان، الجبل أمامك والبحر وراءك، وبين هذا وذاك زهور وأشجار ونبات بألوان الربيع في عزّ صيف معتدل الحرارة.

أول مفاجأة اعترضتنا، ونحن على مشارف غراس، ليست روعة المباني وترتيبها المتناسق، ولا جمالية الطرقات وتنظيمها المحكم، ولا سحر الطبيعة الذي لا يوصف، بل شيء آخر مختلف تماما يحسّ ولا يلمسّ.. رائحة عابقة زكيّة ترافقك من أول مشارف غراس إلى حدودها النهائية.

وبين تقاطع طريق وآخر تلمـح منحوتة عملاقة تنتصب في شكل “قطّار للزهور”، وحين سألنا وعرفنا السبب.. بطل العجب!

فمدينة غراس هي مدينة العطور، مدينة الياسمين والورود وأنواع أخرى من الزهر المتوسطي الذي لا ينبت إلاّ في منطقتي “غراس” الفرنسية فردوس الياسمين، و”أريانة” التونسية روضة الورود، التي وبالمناسبة هي في حالة توأمة دائمة مع مدينة غراس.

بفضولي الصحفي الذي لا يأبى أن يفارقني حتى في أيام راحاتي الأسبوعية وعطلتي المهنية زمن إجازتي السنوية، تقصّيت واستفسرت فعلمت أنّ مؤسسة “شانيل” العالمية تحتكر جلّ، إن لم نقل كلّ، الأراضي المزهرة بالمدينة، احتكارا بمقابل، طبعا.

وأيّ مقابل يمكن أن يجازى به الفلاحون نظير زهر يتحوّل إلى عطر باسم شركة علامتها التجارية ببساطة، اسمها “شانيل”، وبعيدا كل البعد عن البساطة العقيمة، معدّل أرباحها السنوية يفوق 1.5 مليار دولار أميركي؟!

تذكّرت مقولة شهيرة لكوكو شانيل، وأنا أنظر إلى الحسان بأزيائهن الصيفية الشفافة، وعطورهنّ النفّاثة: “المرأة التي لا تضع عطرا، لا مستقبل لها”.

فهمت حينها فقط، أنّ كوكو شانيل التي عاشت إلى حدود سنة 1971، هي رائدة التسويق في العالم دون منافس، فالجملة على بساطتها، حمّالة لأرباح وأرباح، لامرأة منحت عمرها لصنع الجمال، فجعلته خبزا يوميا، لا محيد عنه ولو كره الكارهون.

طبعا، نسينا مهمتنا الرئيسية، أو تناسيناها، في فردوس غراس العطِر، فلا قطع الغيار باتت تعنينا ولا شيء أصبح يرضينا سوى استنشاقنا، ولأطول وقت ممكن هواء مكلّلا بالسحر.

17