للحرب السورية صورة أخرى يصنعها الإعلام الروسي

الثلاثاء 2015/10/13
الإعلام الروسي يفرض حقائق على المشاهد لا تمت للواقع بصلة

اتخذ الإعلام الروسي قرارا واضحا بدعم سياسة النظام الروسي المؤيدة لكل ممارسات النظام السوري منذ انطلاق الثورة السورية قبل نحو خمس سنوات، ولعب دوراً مُكمّلاً لدور الدبلوماسية الروسية في توجيه الرأي العام بشتى أنواع الدعاية السياسية.

وركز الخطاب الروسي على اللعب على الوتر القومي والديني، والترويج لبراءة النظام السوري ووجوب دعمه، وتجاهل في تقاريره الإخبارية أي إشارة إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى على يد النظام، وهو ما حمل كثيراً من الروس إلى الاقتناع اليوم بمقولة أنه ما من معتدلين في سوريا وأنه أينما قصفت روسيا ستقتل إرهابيين.

وتتجلى الطريقة التي يتعامل بها الإعلام الروسي الموجّه للروس، في بحجب الحقيقة وإعادة تمثيل المشهد السوري بحسب الإرادة السياسية، لكن ما يلفت النظر هو طريقة تعامل الإعلام الروسي الناطق بالعربية مع الأزمة السورية.

وأثبتت وسائل الإعلام الروسية التي تنطق بالعربية، الرسمية منها وشبه الرسمية، خلال الأسابيع الأخيرة خصوصاً، أنها ليست مجرد أداة تنفيذية لسلطة شمولية، بل إعلام يُسوّق للسلطة السياسية بطريقة استعراضية تتجاهل أهم المعايير الصحفية المتمثلة بالموضوعية والمصداقية، دون الحديث عن أخطاء النظام السياسي، التي يتعامل معها على أنها غير موجودة.

لا يمكن إخفاء التحيّز الهائل للإعلام (الروسي-العربي) لصالح النظام السوري، بل ولكل الحركات والأنظمة التي تُساهم في إشعال أزمات المنطقة العربية وعدم استقرارها، فهو نصير واضح للحوثيين، ومساير للحشد الشعبي في العراق، ومُدافع شرس عن حلفاء النظام السوري من حزب الله إلى إيران ومن على منوالهم.

وتثير الانتباه تلك التقارير التي تُضخّم الآلة العسكرية الروسية بأي طريقة، وتتحدث عن الأسلحة الروسية الخارقة والصواريخ السرّية الذي ستهزم العالم، والجيش الذي لا يُقهر، والرعب العالمي من الجندية الروسية الخارقة.

حازم نهار: الإعلام الروسي هو الأب الشرعي لإعلام الأنظمة الشمولية

كذلك تثير الانتباه الجهود الاستثنائية التي يبذلها هذا الإعلام لتضخيم شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي تريد إقناع المشاهد رغماً عنه بأنه الأكثر حنكة وفهماً وقوة وذكاءً، بل وحتى الأكثر جمالاً بين كل رؤساء العالم، وصاحب العظمة والفرادة.

ويرى كثيرون تشابهاً كبيراً في عقلية القيادة الروسية وعقلية الأنظمة المستبدة في المشرق العربي، ويقول لؤي صافي، الناطق الأسبق باسم الائتلاف السوري المعارض لـ(العرب) “يقوم الإعلام الروسي بالترويج للحملة العسكرية التي تهدف إلى فرض طغمة حاكمة مستبدة”.

وأضاف صافي، “يبدو واضحاً أنه جزء من الحرب الإعلامية التي توظفها القيادة الروسية لخدمة أهدافها، فهو يهدف لطمس حقيقة النظام وإظهاره على أنه شعبي مُنتخَب يدافع عن السوريين، ويعمل على إظهار التدخل العسكري الروسي في سوريا على أنه حرب على الإرهاب ومواجهة أعداء روسيا على الأرض السوريا، تماماً كما فعل حزب الله من قبله، وهذا يعكس التشابه الكبير في عقلية القيادة الروسيا والأنظمة المستبدة في المشرق العربي”.

لم يعترف الإعلام الروسي بسقوط صواريخ روسية على المدنيين السوريين، وأنكر كما قادته سقوط بعضها في إيران بدل سورية، ولم يُفسّر كيف اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية مناطق غير قليلة من سورية رغم أن روسيا قالت إنها دمرت 60 بالمئة من مقدراته بأيام معدودة، وبَشّر بأن الطقس مناسب لقصف سوريا، واحتفى بفرار الإرهابيين من سوريا أفواجاً أفواج لمجرد اقتراب الدب الروسي منهم.

ويقول الباحث والمعارض السوري سعيد مقبل “بعيداً عن التحيّز، ومن خلال المراقبة والمقارنات، يمكن الجزم بأن أفضل وصف لما يقوم به هذا الإعلام هو “التشبيح الإعلامي”، أو بلغة فصيحة أكثر هو “اعتداء إعلامي يقوده الأمن”.

وأضاف “يُعطي هذا الإعلام انطباعاً بأن القائمين عليه يحملون نفس الأمراض السياسية والأخلاقية والذهنية الإقصائية، ويمتهنون تحريف الحقائق لحساب أنظمة مهترئة يشبهونها”.

الإعلام الروسي يشترك مع الإعلام السوري في أنهما يمثلان إعلام سلطة شمولية توجهه الأجهزة الأمنية

بدوره يرى الباحث والسياسي السوري المعارض حازم نهار، أن النظام السوري هو وريث (التشبيح) الإعلامي عن النظام الروسي، وقال لـ(العرب) “الإعلام الروسي هو الأب الشرعي لإعلام الأنظمة الشمولية، ومنها النظام السوري، فثمة عناصر عدة تميز الإعلام الروسي وإعلام أبنائه وأحفاده من الأنظمة السياسية، ألا وهو أن العنصر الأساسي الموجِّه لهذا الإعلام هو صناعة الكذب، فهو يكذب ويعرف أنه يكذب، ويعلم أن الآخرين يعرفون أنه يكذب، ومع ذلك يستمر في الكذب، فهو يؤمن أن الإصرار على الكذب يحوّله مع الزمن إلى وجهة نظر أو حقيقة يكررها بعض الناس بشكل طبيعي”.

وتابع “العنصر الثاني هو احتقار البشر، ويظهر ذلك في دفعهم نحو ترديد مقولاته على الرغم من معرفته بأنهم غير مقتنعين بها”.

أما العنصر الثالث بحسب نهار، فهو أن هذا الإعلام يتمحور في مجمله حول مديح شخصية الحاكم وإظهار براعته وحنكته وقدراته الخارقة وصوابية قراراته وتوجهاته في كل لحظة، لذلك نرى هذا الإعلام يلجأ في آلياته إلى نقل ما يعجبه من أخبار فيما يغض النظر عن الأخبار التي لا تتوافق مع سياسة (القيادة الحكيمة)، أو قد يلجأ هذا الإعلام إلى فبركة حوادث أو أخبار معينة ويحولها إلى قضية كبرى، أو قد يتصنع الحرية لكنه يعطي السؤال والجواب في آن معاً لمحاوريه”.

ويرى المراقبون أن الإعلام الروسي يشترك مع الإعلام السوري، في الكثير من الصفات والميزات، يمثلان إعلام سلطة شمولية توجهه الأجهزة الأمنية وأجهزة الرئاسة، لا مكان فيه للحرية وحق التعبير، يعتمد على تزييف الحقائق، ويعتبر “مواثيق الشرف الإعلامي لا تستحق الحبر الذي كُتبت به”.

18