للحقيقة نسخ متعددة تتحكم فيها صور الحرب السورية

استخدمت صور الضحايا والمدنيين في الحرب السورية كسلاح حرب للتحكم في الحقيقة، ولم يعد للحقيقة وجه واحد، بل تعددت النسخ والروايات من النقيض إلى النقيض، لتصب كل منها في مصلحة كل طرف من أطراف الصراع.
الجمعة 2017/10/13
صورة واحدة والروايات متعددة

حلب (سوريا) - نجا الطفل السوري عمران من الحرب السورية قبل عام، وتحول إلى أيقونة ورمز للحرب ولمعاناة المدنيين السوريين، مع انتشار صورته في وسائل الإعلام العالمية، ورغم ذلك وجد كل طرف من أطراف الصراع أنه يمكن استعمال هذه الصورة في أجندته الدعائية.

وبقي عمران دقنيش وأسرته محط أنظار وسائل الإعلام باعتبارهما شاهدين على الحقيقة “ذات الوجهين”، وفي الوقت الراهن يقيم في منطقة تخضع لسيطرة النظام الحاكم، وفي الحقيقة لا تعرف حاله بعد الأحداث المروعة التي تعرض لها.

وتعتبر حالته مثالا واضحا على قوة سلاح الصورة ضمن أسلحة أخرى تستخدمها الأطراف المتصارعة في الحرب السورية.

وفجرت صورة عمران حالة من الغضب الشديد على مستوى العالم، حيث عرضت صور وأشرطة مصورة في وسائل إعلام تابعة للمعارضة يظهر فيها الطفل المسكين محمولا على نقالة الإسعاف، حافي القدمين، وملوثا بالتراب. لم يكن يبكي أو يصرخ، ولكنه كان شبه مشلول من هول الصدمة.

هزت الصورة العالم: طفل في حالة ذهول تام مغطى بالكامل بالغبار والدماء إثر الدمار الشامل الذي لحق بمنزله في مدينة حلب السورية بعد سقوط قذيفة عليه سوته بالأرض أثناء قصف على المدينة. وبعد أيام قلائل من هذه الحادثة المؤسفة، لقي شقيقه علي نحبه. واليوم يقول الطفل عمران ذو الخمس سنوات “أنا في منتهى السعادة لأنني سوف أذهب إلى المدرسة العام المقبل”.

واستمرت الصورة باعتبارها مزدوجة الحقيقة وتعددت حولها الروايات والقصص بين أنها مفبركة أو مصطنعة، وهناك من قال إنه تم بناء استوديو لتصوير المشهد من قبل أصحاب الخوذ البيضاء. وآخرون سخروا من نظرية المؤامرة واختراع قصص مشوهة لحقيقة جلية وواضحة، واحتشد الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي وراء كل رواية بحسب انتمائه وولائه السياسي.

وقعت تفاصيل المشهد في إحدى مناطق حلب، أثناء إحدى موجات القصف الجوي العنيف، التي شنتها المقاتلات الروسية والسورية، وأسقطت الكثير من الضحايا المدنيين، فيما أكدت جمعيات غير حكومية أن القصف الذي دمر منزل أسرة عمران نفذته طائرات روسية. من جانبها رفضت موسكو، الحليف الأهم والأقوى لنظام بشار الأسد، هذه الاتهامات، وبنهاية عام 2016 أعلن الجيش السيطرة على مدينة حلب بالكامل.

هذه الصورة بالتحديد هي الرسالة التي تريد حكومة دمشق إرسالها إلى العالم لتلميع صورتها

وعندما سئل الرئيس السوري عن الصورة قال ساخرا إنها مزيفة ومفبركة، لكن لم يوضح إن كانت الحرب أيضا مفبركة وكاذبة أم أن قذائفه وصواريخه ومدفعيته تستطيع أن تختار بعناية الإرهابيين الذين تستهدفهم في المناطق السكنية، وفق تعليق أحد الصحافيين على تصريحات الأسد.

وتنتشر عبر وسائل الإعلام الآن، صور أخرى للطفل عمران: مصفف الشعر بعناية، يرتدي ملابس نظيفة مهندمة، مشبكا يديه الصغيرتين، وتعلو وجهه ابتسامة عريضة تبدو مصطنعة من أجل التقاط الصورة، لتظهر حياة الطفل الجالس على أريكة مكسوة بمفرش مغطى بالزهور ومن خلفه ستارة من نفس اللون وأمامه منضدة وضعت عليها مزهرية، كما لو أنه يحظى بحياة طبيعية تماما.

هذه بالتحديد هي الرسالة التي تريد حكومة دمشق إرسالها: الأسرة تحظى بحياة ممتازة تحت حماية النظام، لأن منزله لا يقع في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بل تقع تحت سيطرة الحكومة. يقول عمران إنه سعيد، يلعب مع شقيقته وشقيقه. بينما يوضح والده أنه استأنف عمله في تصنيع الحديد.

تدرك السلطة قيمة الطفل، ومن ثم لا تسمح بحرية الوصول إليه، ولم تتمكن وكالة الأنباء الألمانية من الحديث مع أسرته مباشرة، بل بصورة غير مباشرة عن طريق صحافي من حلب مقبول من النظام، قام بتسجيل الأسئلة ونقلها إلى الأسرة، وتسجيل الأجوبة.

ويمكن القول إن ما أدلى به والد عمران، سيروق دون أدنى شك للسلطات كثيرا. “لم نسمع أية طائرة، تعرض المنزل الذي نقيم به لطلق ناري”، يوضح دقنيش، في ما يفترض أن الهجوم الذي ألمّ بمنزله شرق حلب شنه مقاتلو المعارضة، وهو تصور لا دليل عليه، وفقا للتحقيقات الدولية.

ويضيف دقنيش الأب بخصوص ليلة الهجوم، إن كل ما كان يعنيه هو نقل أبنائه إلى المستشفى، فيما يتهم فرق الإنقاذ بـ”فبركة” صور عمران. من جانبها تنفي فرق الخوذات البيضاء ذلك، وهي مجموعة الإنقاذ المدنية، التي حصلت على جائزة نوبل البديلة عن دورها في مساعدة المدنيين السوريين.

ويوجد شريط مصور يظهر كيف تمكن المتطوعون من انتشال الطفل من تحت الأنقاض ووجهه تكسوه الدماء ومغشى بالغبار، إثر الانهيار، وكيف وضعوه على نقالة الإسعاف. ومن ثم لا يوجد أي مجال لأن تكون هذه المشاهد مفبركة أو غير حقيقية.

قامت العديد من وسائل الإعلام العالمية بزيارة أسرة عمران في الآونة الأخيرة. وتمت جميع الزيارات تحت إشراف وزارة الإعلام السورية، وكان من بينها الصحافي الألماني ديرك إيمريخ، مراسل شبكة آر تي آل (RTL)، حيث يرى من وجهة نظره أن والد عمران تكلم بحرية ولم يبد عليه أنه يخضع لأي نوع من التهديد أو الترهيب من جانب النظام، إلا أنه يعترف بأن التجربة تبرهن على أن المدنيين يتكيفون مع بيئتهم المحيطة إزاء ظروف مثل هذه من أجل أن يعيشوا في سلام.

وعلى عكس والده، لم يعد متبقيا في ذهن الطفل سوى ذكريات مشوشة عن الهجوم الذي وقع في أغسطس 2016، حيث يؤكد “لم أكن أعرف ماذا يحدث”. ولكن على الرغم من أن الطفل لم يعد متبقيا في مخيلته سوى النزر اليسير فقط من ذكريات تلك الليلة، إلا أن المشاهد التي غيرت مسار حياته، ستبقى إلى الأبد رمزا لمعاناة المدنيين من الشعب السوري ولضحايا الحرب.

18