للفساد وجوه عديدة وأذرع طويلة

الأحد 2016/08/14

عندما تذكر المندوبية السامية للتخطيط أن أغلبية الأسر المغربية غير قادرة على الادخار خلال 12 شهرا المقبلة، فهذا الأمر يدعو للقلق على مستقبل استقرار العائلات الفقيرة والمتوسطة، النفسي أولا، والسوسيواقتصادي ثانيا. والغلاء وانخفاض القدرة الشرائية والبطالة المستشرية في صفوف الشباب أسباب منطقية لهذه الوضعية التي تتحمل الحكومة والسياسيون وأصحاب الدكاكين الانتخابية معارضة وأغلبية المسؤولية كاملة عنها.

وفي الوقت الذي تخرج فيه لنا وزارة الداخلية بأرقام هزيلة تهم أعداد المسجلين في اللوائح الانتخابية لسنة 2016، بعدد يقارب 500 ألف طلب تسجيل خلال آخر مراجعة هذه السنة بالمقارنة مع 1.9 مليون طلب العام 2015، فلا شك سيؤثر هذا الواقع في نسبة المشاركة. وهذا الأمر يتطلب منا طرح سؤال رئيسي حول الدور الذي تلعبه الأحزاب والإدارة والنخبة السياسية في المغرب في إقناع الناس بجدوى الانتخابات وأهميتها في تطوير النموذج الجنيني للديمقراطية ببلادنا.

إذا لم تقدر تلك الأحزاب والحكومة على إقناع فئة من الشباب والشابات للتسجيل والمشاركة في الانتخابات فهذا دليل على فقر في طريقة التواصل وسوء التدبير والتأطير وفشل في الاستقطاب، تعيشه كل الأحزاب دون تمييز أو تفضيل بين اليسار واليمين وما يعرف بالوسط.

كثرت في الآونة الأخيرة فضائح السياسيين، وكان أبرزها قضية ما أصبح يطلق عليهم فئة “خدّام الدولة”، بعدما استغل عدد من السياسيين والمسؤولين الإداريين ورؤساء أحزاب الثغرات القانونية وسطوا على أراض داخلة في أملاك الدولة بأثمان أقلّ ما يمكن القول عنها إنها زهيدة ولم يراعوا سوى مصالحهم. حتى حزب العدالة والتنمية الذي رفع شعار محاربة الفساد واشتكى ممّا أسماه بالتحكم، لم ينج هو الآخر من فلسفة السطو واستغلال المنصب، ولو بشكل غير مباشر وبمبررات تستنجد بمواد القانون تارة وبخدمة الصالح العام تارة أخرى.

محاربة الفساد مسؤولية جماعية

وللوقوف على المسألة برزت على سطح النقاش السياسي قضية الحبيب الشوباني، القيادي بحزب العدالة والتنمية ورئيس جهة درعة تافيلالت بمثابة رئيس حكومة مصغرة، الذي رفع تحدي استغلال 200 هكتار من أراضي الجموع. كيف يمكن لرئيس جهة تعتبر حسب الأرقام والإحصائيات فقيرة تبرير ما فعله وقد وقع في تناقض سافر مع قيم الترشيد والحكامة.

دافع الحبيب الشوباني عن مشروعه الاستثماري بالقول “إنه يخدم المنطقة التي يقلّ فيها علف المواشي، كما أنه يوفر مناصب شغل للعشرات من الشباب”؛ وكالعادة اتهم “خصومه” بالمزايدة السياسية والإعلامية.

ورد عليه زميله القيادي في حزب العدالة التنمية وعضو أمانته العامة، خالد الرحموني قائلا ”ليس لنا الوقت والطاقة والمروءة للدفاع عن نزواتكم، ارتقوا ولو إلى حين، كل الخوف أن يصبح المصلحون عبئا على خط الإصلاح”.

لكن هل من حق الشوباني كراء 200 هكتار من أراضي الجموع لإنجاز مشروع تجاري لإنتاج أعلاف معدلة ومطورة؟ هنا مواد القانون المنظم للجهات واضحة وتمنعه بصفته رئيسا للجهة من الاستثمار مفردا أو مساهما مع آخرين للاستثمار في أيّ مشروع وتحت أيّ ذريعة درءا لشبهة استغلال النفوذ وتضارب المصالح. هل بإمكاننا إقحام الشوباني ضمن زمرة باتت تسمّى في المغرب بـ”خدام الدولة” من سياسيين ومسؤولين استولوا على أراض ببخس التراب؟

الجواب نعم، والعتب عليه وعلى أصدقائه في الحزب كونهم صدّعوا رؤوسنا بمعارضتهم لجمع السلطة والمال في يد واحدة، فهل انقلبت المفاهيم واختلت الموازين وتداخلت المصالح؟ وكيف يستطيع الشوباني العدل بين مسؤولية إدارة مصالح الناس ومصالح هكتاراته الزراعية؟

عجيب أمر سياسيينا، يتحدثون مطولا عن الأخلاق وزراعة الأمل في الوقت الذي يدخلون فيه تلك القيم الثلاجة ويجمّدونها بلا أدنى اكتراث، كلما تعارضت مع مصالحهم وتطلعاتهم.

لا يهمني ما يقوله الخصوم السياسيون للشوباني، ولا يلزمني تصيّدهم لأخطائه والركوب على حواشيها، ولا يهزني ما تدبجه أقلامهم ولا ما تنتجه محابر أفكارهم، المهم هو أن ننقد من وجهة نظر غير متحيّزة إلا لمصالح الشعب المغربي وأحلام مواطن تشرد وآخر انتحر باحثا عن كرامة وعدالة وشخص غلبه الخوف فآثر الانزواء والسكوت عن حق مهضوم.

الحبيب الشوباني حرق سفنه ولازال يغرق الباقي. والمعارضة الضعيفة لم تقدم بديلا سياسيا مقنعا للناس فعبّر المواطن عن رأيه مبكرا في هؤلاء وأولئك برفضه التسجيل في لوائح الانتخاب.

مشكلتنا أننا عاطفيون إلى أبعد حد في التعاطي الصارم مع من يعتبرون أنفسهم فوق القانون والتاريخ ومصالح البلاد والعباد. نستنكر فسادهم وننكر تصرفاتهم دون أن نتعدى إلى ردّ فعل أقوى بالقانون وتحت سلطته.

نعترف أن الأمر ليس سهلا لكنه ليس بالمستحيل بل يحتاج إلى إرادة سياسية وضغط شعبي ومؤسساتي. حين يكون من المفترض أن تصبح مفوضا من الشعب لتدبير شؤونه فالأولى أن تعمل كلّ ما في وسعك لتحقيق هذا الغرض وهو بالمناسبة ليس إعجازا سياسيا. كل ما في الأمر انتباه المسؤول إلى خط السّير حتى لا يتعارض مع القيم التي يدّعي الدفاع عنها.

الذين ينغّصون علينا ديمقراطيتنا الفتية هم الفاسدون النهمون بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية، والذين أثبتوا أن للفساد وجوها عديدة وأذرعا طويلة. فهم ينهبون باسم القانون والدين ويتطاولون على ممتلكات الدولة ويعتدون على مستقبل الوطن والمواطن ويدّعون كذبا وزورا خدمة المصالح العامة.

كاتب من المغرب

6