للقطار في مصر حكاية بطول السكك الحديدية

تعد السكك الحديدية في مصر من أقدم الخطوط في العالم، حيث يعود تاريخها إلى الفترة الاستعمارية، وقد أضحت مع مرور الوقت تقوم بدور أساسي في حل أزمة النقل في البلاد التي يسببها طول الطرقات وخطورة المسالك البرية، لكن هذا القطاع ظل مهمّشا لفترة طويلة ممّا يدعو إلى إعادة هيكلته وصيانته، فهل تطور قطاع النقل الحديدي في مصر؟
السبت 2015/10/24
سفرات القطار الطويلة كانت مواضيع فنية شيقة

القاهرة - اتُعدّ مصر ثاني دولة بعد المملكة المتحدة تُمدّ فيها خطوط السكك الحديدية، والتي افتتحت في العام 1856 كأول سكة حديد في أفريقيا والشرق الأوسط، وبدأ إنشاؤها عام 1834، حيث تمّ تشييد القضبان بين خط السويس الإسكندرية، لكن تدخّلت فرنسا وقتها وأمرت بوقف المشروع لأسباب سياسية، وكعادته محمد علي باشا الذي رفض فكرة قناة السويس خوفا من الهيمنة الأجنبية، رفض استكمال مشروع السكك الحديدية.

وفي العام 1850 تم إحياء الفكرة بأوامر من الخديوي عباس الأول بإنشاء خط سكك حديد يربط بين القاهرة والإسكندرية، ووقّع اتفاقا مع المهندس الإنكليزي روبرت ستيفنسون لبناء السكك الحديدية. وفي عام 1855 افتتح ستيفنسون جسرين في مدينتي كفر الزيات وبنها، وكان هذان الجسران بمثابة التشغيل التجريبي للمشروع الضخم للسكك الحديدية الذي افتتح رسميا في العام 1856.

وبدأت الجسور تُشيّد في الإسكندرية إلى كفر الزيات في عام 1854، ثم وصلت إلى القاهرة في عام 1856. وتمّ الانتهاء من بنها-الزقازيق على فرع دمياط من نهر النيل في عام 1860، ومن طنطا-طلخا في العام 1863.

وسعى الخديوي إسماعيل إلى تحديث مصر، حيث أضاف زخما لتطوير السكك الحديدية وشيّد فرعا جديدا عام 1865 في مدينة دسوق على النيل، بالإضافة إلى تشييد فرع للسكك الحديدية إلى الجنوب على طول الجانب الغربي لنهر النيل مع افتتاح خط ربط بين القاهرة والمنيا في عام 1867، وبعدها بعام تمّ تنفيذ خط إلى الفيوم، ثم إلى أسيوط ومنها إلى أسوان مرورا بمدن الصعيد.

السكك الحديدية من أهم وسائل النقل التي يستخدمها المصريون للوصول من مدينة إلى أخرى، وذلك بسبب خطر الطرق الصحراوية التي تنتشر فيها عصابات السرقة والنهب

وكانت هناك العديد من شركات السكك الحديدية الخاصة في مصر خلال القرن التاسع عشر الميلادي مثل شركة السكك الحديدية للدلتا وشركة في أسوان وشركة سكة حديد قنا. وفي عام 1914 أصبحت الشركات جميعها مملوكة للدولة المصرية، وكانت السكك الحديدية المصرية قبل افتتاح قناة السويس واحدة من المصادر الرئيسية للدخل القومي، حيث عبرت السكك الحديدية في القرن العشرين البلاد لتصل إلى السودان وفلسطين، ولكن حرب 1948 وضعت حدا لهذه السكك الحديدية، حيث كانت الدولة خلال تلك الفترة تعمل على تنفيذ خطة سكة حديد من الإسكندرية إلى ليبيا.

وكانت السكك الحديدية أهم وسائل النقل المستخدمة من قبل المصريين للوصول من مدينة إلى أخرى، حيث كانت الطرق الصحراوية والزراعية غير ممهدة وكان السير عليها يمثل خطرا للغاية، بسبب انتشار عصابات السرقة والنهب.

وفي العام 1933 افتتح متحف تاريخ السكك الحديدية في مصر، ويُعدّ نموذجا وثائقيا، حيث يضمّ 700 من النماذج والوثائق والخرائط والبيانات الإحصائية التي تبيّن تطوّر السكك الحديدية، وكانت السكك الحديدية في مصر لها نوع من الإلهام لشعراء ومطربين، وهناك العديد من الأغاني الشعبية حول السكك الحديدية، وخاصة قطار صعيد مصر، نظرا لطول المسافة بين القاهرة وصعيد مصر، وهو ما جعل العديد من الشعراء يكتبون أغاني يردّدها المسافرون لتهوين المسافة، ولعل أبرزها “يا وابور يا مولع حط الفحم”، ومن الأفلام التي تناولت السكك الحديدية فيلم “محطة القاهرة” من إخراج يوسف شاهين، وفيلم “سيدة القطار” بطولة ليلى مراد ويحيى شاهين، وفيلم “قطار الليل” بطولة عماد حمدي وسامية جمال.

النقل الحديدي وسيلة المصريين الأولى في التنقل

وكان هناك خط رئيسي يربط مصر بفلسطين عبر السكك الحديدية، وبُني على ثلاث مراحل خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبدأ مدّ القضبان عام 1916، وتمّ تمديده إلى رفح على الحدود مع فلسطين، كما تمّ تمديد الطريق وصولا إلى حيفا في فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، ومنها إلى طرابلس بلبنان في العام 1942.

وبسبب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، قامت إسرائيل بقطع السكك الحديدية بفلسطين، كما فجّرت في العام 1956 خط السكك الحديدية في سيناء. وخلال نكسة 1967 استولت إسرائيل على المزيد من معدات السكك الحديدية المصرية التاريخية، وقامت بتدمير ما تبقى عبر سيناء المحتلة، وقامت باستخدام حوالي 30 طنا من قضبان السكك الحديدية المصرية في بناء تحصينات خط بارليف على طول قناة السويس.

ويقول عمرو نصر الدين، الباحث في الجامعة الأميركية بالقاهرة: تاريخ السكك الحديدية في مصر كان انعكاسا لتعزيز السلطة وقوة وموقع القاهرة السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، ولذلك سعى المستعمرون الأوروبيون البريطانيون وغيرهم إلى تنفيذ واستخدام طرق جديدة برا وبحرا في دول الشرق الأوسط وخاصة مصر، باعتبارها مركزا هاما لانطلاق الاستعمار الأجنبي.

وتابع “خلال القرن التاسع عشر حاول محمد علي باشا تنفيذ مشروع يربط بين القاهرة والإسكندرية والسويس، وبعد اقتراح فكرة السكك الحديدية للحكومة المصرية بدأ المشروع في التنفيذ عام 1834، ولكن بعد فترة وجيزة وتحت ضغوط من الحكومة الفرنسية توقّف المشروع بأوامر من محمد علي خوفا من زيادة التدخل البريطاني في الشؤون المصرية. ولكن في ظل خلافة عباس حلمي الأول استؤنف المشروع مع تشييد خط يربط بين الإسكندرية والقاهرة، ومن القاهرة إلى السويس في عام 1851.

ويؤكد أن الوتيرة المتنامية للسكك الحديدية في مصر أخذت في الارتفاع في الفترة من 1858 إلى حدود 1876، حيث تمّ تشييد طرق جديدة تربط بعض المدن بعضها ببعض مثل طنطا وسمنود ودمياط والزقازيق والإسماعيلية ودمنهور والمنصورة ودسوق وبنها.

يذكر أنه في العصر الحديث تم تطوير وتشييد طرق جديدة ليصل طول الشبكة الحديدية إلى حوالي 9 آلاف كم وتمتد على أكثر من 700 محطة، بالإضافة إلى 20 محطة رئيسية في عواصم المحافظات.

20