للملل فوائد أيضا

رغم اتفاق الكثيرين على أن الملل شعور سلبي يفقد الإحساس بالحماس والرغبة في الحياة ونشاطاتها، إلا أن هناك فرقا مختلفة من الباحثين توصلت إلى أنه يمكن أن يصبح عاملا محفزا على الإبداع وتحقيق النجاحات.
الاثنين 2016/10/24
الملل يحول الأعمال الروتينية إلى حماسية وحيوية

القاهرة- اكتشف العلماء أن الملل يزيد الدوافع التي تحفز على القيام بالأعمال الاجتماعية التفاعلية، فالملل يجعل الإنسان يقوم بأفعال مختلفة وهادفة تطول لفترة طويلة. ونتيجة الشعور بالرتابة تتحول الأعمال الروتينية إلى أفعال أكثر تحديا وأكثر جدية. وأثناء القيام بالأعمال الاجتماعية الخيرية، ربما لا يشعر فاعلها بزيادة مستوى نشاطه واهتمامه وإحساسه باليقظة والمرح والإبداع والتحدي، ويغلب عليه الملل.

ويقول البروفيسور ويغناند فان تيلبرغ بجامعة ليميريك الأيرلندية، إن الذين يشعرون بالملل سريعا، عادة ما يسجلون درجة عالية مما يسمّى “السعي وراء مقاييس الإحساس المزاجية” وربما تفسر ذلك، ولو بشكل جزئي، العلاقة بين التعرض للملل وكل من العنف والغضب والعدوانية. وعندما يشعر الناس باللامعنى، فإنهم يكونون عرضة للارتباط بالتصرفات التي يؤمنون بأنها سوف تؤكد على إحساسهم باللامعنى ولكنهم لن يفعلوا، وإنما سيتحولون للقيام بعكس ذلك من الأفعال المجدية والممتعة والمثيرة، حيث أن الملل يمكن أن يكون محفزا قويا على البحث عن السعادة، ثم بعد ذلك القيام بسلوكيات اجتماعية تفاعلية ذات معنى وفائدة.

وقال فان تيلبرغ إنه اختبر، خلال دراسته، فكرة أن الملل يمكن أن يعزز السلوك الذي يفيد المجتمع، كون الملل يمكن أن يدفع الإنسان إلى اليأس، لكنه في ذات الوقت يفيد من هم بحاجة إلى الدعم. ولكن لا يعني هذا أن الملل ضروري للسلوكيات الاجتماعية التفاعلية، لكنه يعد تأثيرا إيجابيا لفعل سلبي. وهذا يعني أن الشخص الذي يشعر بالملل تصبح لديه رغبة في إعادة تأسيس مشاعره حتى يتخلص من الكآبة والضجر.

وكشفت دراسة بريطانية أجريت بجامعة سنترال لانكشاير أن الأنشطة المملة والأكثر سلبية في العمل كالقراءة أو ربما حضور الاجتماعات يمكن أن تؤدي إلى درجة أكبر من الإبداع، حيث أن الكتابة بتقليلها من فرص أحلام اليقظة تحد من تأثيرات الملل، وهو ما يعزز القدرة على الإبداع. والملل هو شعور ينتاب الشخص عندما تكون الأنشطة من حوله غير مهمّة بالنسبة إليه أو غير مكترث بها، فعندما يجد نفسه فجأة في حالة من عدم التركيز والتفاعل مع ما يدور حوله وربما الهذيان، فإن ذلك يعني أنه مصاب بنوبة ملل أو سأم. وربما يكون الملل نتيجة لعدم وجود جديد أو نتيجة للروتين اليومي المعهود وتشابه الأشياء من حولنا.

الأنشطة المملة والأكثر سلبية في العمل كحضور الاجتماعات، يمكن أن تؤدي إلى درجة أكبر من الإبداع

وللملل علامات تدل على وجوده مثل ممارسة التدخين والتسكع في الشوارع والأسواق ومشاهدة القنوات الفضائية والإدمان عليها والهروب يوميا إلى اللقاءات مع الزملاء والأصدقاء وكثرة النوم وحب الراحة والكسل والثرثرة بالهاتف دون فائدة. وكانت الكثير من الدراسات النفسية قد تناولت حالات الملل التي يشعر بها الإنسان بالتحليل، كونها حالة تجتاح الكثير من الأشخاص بين الحين والآخر وقد تتطور لتصبح حالة مرضية في البعض من الأحيان. وأشار باحثون إلى أن الشعور بالملل ينتج عن عدم تفريغ الطاقات المخزنة داخل الجسم بشكل إيجابي، وفي حال تم توظيف هذه الطاقات بالشكل الصحيح، يمكن تحويل الشعور بالملل إلى طاقة عمل إيجابية منتجة.

ويستشهد محمد السليطي، مدرب علم البرمجة اللغوية، بقصة واقعية تمثل أحد الحلول للقضاء على رتابة الحياة وتغيير نمطية البرنامج اليومي لكل شخص، فيقول “في أحد الأيام كان يحاضر عن التحكم في ضغوط الحياة وأعبائها لطلابه بشكل لا يشعرهم بالملل أو الكآبة، فرفع كأسا من الماء وسأل المستمعين، ما هو في اعتقادكم وزن هذه الكأس؟ فاختلفت الإجابات، فقال لهم: لا يهم الوزن المطلق لهذه الكأس، فالوزن هنا يعتمد على المدة التي أظل ممسكا فيها بالكأس، فإن رفعتها لمدة دقيقة لن يحدث شيء ولو حملتها لمدة ساعة فسأشعر بألم في يدي وكلما حملتها لفترة أطول فسأشعر بثقل أكبر للكأس″.

ويضيف السليطي “هذا المثال ينعكس على الواقع المعيش، فلو حملنا مشكلاتنا وأعباء حياتنا في جميع الأوقات، سنشعر بالرتابة والملل ولن نستطيع المواصلة بسبب الضيق والإرهاق النفسي، لذلك يجب علينا التجديد كل فترة بما في ذلك التجديد في نظرتنا تجاه الروتين لنتمكن من إعادة النشاط”. ويوضح أنه من ضمن الحلول التي أثبتتها الدراسات العلمية أيضا، الابتعاد عن الوسائل التكنولوجية بعد العودة إلى المنزل لأنها تعمق الشعور بالروتين والكسل وعدم الرغبة في الخروج أو تقبل أي تجديد على النشاط اليومي. كما يرى أنه من الجيد بالنسبة إلى الأشخاص الذين يحبون المطالعة التفكير في قراءة ما هو غريب وأيضا تغيير برنامج الزيارة للأصدقاء أو الأهل من الجمعة إلى يوم آخر ومشاركة الأبناء البعض من أنشطتهم المدرسية مثل الرسم والكتابة أو الموسيقى وتغيير نمط التسوق المعتاد أو التنزه مثل محاولة الدخول إلى السينما.

وأكد السليطي أن البدء بأي طريقة من هذه الطرق سيشعر الفرد بدافع جديد لابتكار وسائل أخرى يكسر بها رتابة الحياة اليومية. ونلاحظ أن من أهم النتائج المترتبة عن التغيير في الحياة وكسر الروتين اليومي الشعور بالتفاؤل، فالتفاؤل يساعد الإنسان على الإقدام على فعل كل شيء بحب وأيضا بسعادة. وأكدت دراسة أميركية لجامعة دوك بولاية نورث كارولانيا، أن المتفائلين قد يتمتعون بعمر أطول من المتشائمين الذين ينظرون بضجر إلى المستقبل والحيا.

كما أن النظرة المتفائلة للحياة تساعد جهاز المناعة في الجسم على مقاومة الأمراض وإبطاء زحف الشيخوخة. فتكرار الشيء عدة مرات يجعلنا كالآلة لا نركّز في أي شيء نقوم به، ولا نملك الرغبة ولا نشعر بأي متعة وسعادة أثناء قيامنا بذلك، فنصبح وكأننا قد تمت برمجتنا، فنسير متجهين إلى عملنا دون أن نركز في طريقنا أو نلاحظ ما يحدث من حولنا لأننا قد حفظنا ما نقوم به، فدون أن نهتم للطريق، فإننا نعرف كل ما يوجد فيها وما هو الاتجاه الذي سيأخذنا بعد 100 متر.

17