لماذا أخفق أو تعثر الربيع العربي

الجمعة 2016/01/08
الربيع العربي تعثر واصطبغ بلون الدم

لا أعتقد أن الثقافة العربية أنجزت إجمالا شيئا مهما هذا العام، فلم أسمع عن مبادرات لفائدة أطفال سوريا أو العراق.. ولا عن مبادرة لمراجعة مناهج التعليم لتعزيز قيم المواطنة وحذف الخطاب الداعشي منها.

بالعكس حمل هذا العام أخبارا بالغة السوء من حبس الصحفيين والإعلاميين وإيقاف برامجهم، وحبس الباحث إسلام البحيري خمس سنوات بسبب آرائه، وقيام وكيلة وزارة التعليم بحرق كتب إحدى مكتبات المدارس على مرأى ومسمع من الجميع.

وما نراه في مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية من نفي للآخر وقتل رمزي لمن يختلف معنا، يشير بوضوح إلى أن الداعشية أكثر تغلغلا ممّا نعتقد في بنية الثقافة العربية.

ومعظم المثقفين يدور الآن في فلك سماسرة الحروب وفلاسفة الفوضى الخلاقة وقنوات البيزنس لضمان نصيبهم من كعكة ترتيب الجغرافيا الجارية الآن.

جرفنا ما هو سياسي بكل صخبه ودمويته.. فأين هو المسرح؟ وأين هي السينما العربية؟ لم أسمع هذا العام عن فيلم عربي كرّم في مهرجان كان أو حصل على الأوسكار؟ لم أسمع عن رواية عربية تمّ الاحتفاء بها عالميا أو حتى نالت إجماعا عربيا.. صحيح أن ثمة زيادة في المهرجانات وتوزيعا للجوائز بوصفها عطايا.. لكنها في الغالب لا تروّج إلا الأكثر تهافتا وكأن أفلام السبكي هي “مازورة” القياس، هي “البيست سيلر” المعتمد الآن، حتى بعض الروايات التي حصلت على جوائز عربية مرموقة لم أستطع إكمالها، وإحداها بدت لي كأنها كتبت برطانة خمسينات القرن الماضي.

وبغض النظر عن اسم جائزة أو تزكية رواية فإن اللحظة التاريخية التي نحياها، كانت تتطلب من المثقفين نزاهة ومصداقية في تعبيرهم عن قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وليس تسخير تلك المقولات وفقا لاصطفافهم الحزبي والمذهبي.

وكان ثمة حاجة إلى مراجعة جادة لسؤال: لماذا أخفق أو تعثر الربيع العربي واصطبغ بلون الدم؟ لماذا لم يعرف الشارع العربي كيف يختار ممثليه وكيف يحكم نفسه؟ وذلك لأن المثقف العربي نفسه ليس متورطا مع الشارع ولا متفاعلا معه، ويفضل أن يبقى في ركاب السلطة مانحة العطايا والجوائز والمناصب.

وبدلا من نقد الثقافة الرجعية ومواجهتها نراها اليوم تزداد تغلغلا وهيمنة في أوجه الحياة وصناعة القرار، إلى أن سمعنا خبرا عن إعدام شاعر بسبب ديوان شعر؛ وكأننا عدنا إلى زمن قتل الحلاج وبشار بن برد.. عدنا ألف عام من الدم.

ربما ما كان للكوارث في سوريا والعراق وليبيا واليمن أن تحدث، لو كان المثقفون على مستوى المسؤولية التاريخية، لكن ما حدث ومازال يحدث أن بلداننا تدمر وتفرغ من أهلها ويعاد رسم خرائطها، ونحن مازلنا نناقش: هل جلوس المرأة على مقعد كان يجلس عليه رجل حلال أم حرام؟

لا أودّ أن تأتي انطباعاتي كئيبة لكن ما نراه كل يوم لا يبشر بأيّ خير، وأحسب أن مؤشرات 2015 على صعيد الثقافة العربية كانت من أسوأ السنوات على الإطلاق، وكل ما يمكن الكلام عنه بشأن رواية جيّدة أو فيلم لا بأس به لا يخرج عن كونه محاولات فردية تخص أصحابها ولا تعبر عن مناخ إبداعي عام.

أما بالنسبة لاختياراتي هذا العام وهي في الأساس ذائقة ذاتية في ضوء ما استطعت الاطلاع عليه، فإن أفضل رواية قرأتها هي “المهدي” للراحل عبدالحكيم قاسم، وقد صدرت هذا العام عن مكتبة الأسرة، وهي قصيرة جدا تقع في أقل من ستين صفحة، وما يميزها أنها رواية تنبّئية كتبت منذ عقود، ومع ذلك تعبر تماما عن لحظتنا الراهنة، ولأن عبدالحكيم مبدع حقيقي لم يحظ بالتكريم المستحق، ومرت هذا العام في صمت ذكرى ربع قرن على وفاته.

أما أفضل مجموعة قصصية فهي “لمح البصر” لسيد الوكيل لأنها لامست اهتماما شخصيا لديّ بالأحلام وإمكانية تحويلها إلى قصة قصيرة، وهو ما اشتغلت عليه أيضا في مجموعتي الجديدة “دفتر النائم”، يضاف إلى ذلك أن سيد الوكيل مبدع يكتب بميزان حساس بعيدا عن الحشو والرطانة، وكتابته شفافة ومتوهجة.

أهم كتاب فكري “خمسون مفكرا أساسيا معاصرا: من البنيوية إلى ما بعد الحداثة” لأنه ترجمة رائقة لفاتن البستاني، ويدخل في صلب تخصصي الأكاديمي، ويعطي خارطة مهمة ومفاتيح للحركة النقدية في الغرب خلال العقود الأخيرة، وقد صدر عن المنظمة العربية للترجمة، أمّا أسوأ كتاب فهو الذي صدر عن السلسلة نفسها بعنوان “بحث في العلامة المرئية” وذلك بسبب سوء الترجمة رغم أهمية الكتاب.

الكاتب الذي تألق هذا العام هو نجيب محفوظ الذي مازال يدهشنا بمفاجآته مع صدور أحلام جديدة له. أمّا الكاتب الذي خيّب ظني هذا العام فهو يوسف زيدان إثر حضور ندوة له، اكتشفت خلالها مدى استخفافه بجهود الآخرين وتعاليه على أسئلة الجمهور، والحالة الغريبة من النرجسية وتضخم الأنا.

كاتب وروائي

15