لماذا أسقط راشد الغنوشي قانون العزل السياسي في تونس

الثلاثاء 2014/05/06

الفصل 167 من القانون الانتخابي التونسيّ الجديد هو الفصل الأكثر إثارة للجدل. إنّه الفصل المخصّص للعزل السياسي لرموز نظام زين العابدين بن علي، ومنعهم من الترشّح للانتخابات القادمة والمشاركة في الحياة السياسية. الفصل كان دقيقا ولم يكن موجها إلا لمن تولّوا مناصب قياديّة في حزب التجمّع وفي حكومات بن علي. وهو قريب في صياغته من الفصل 15 من القانون الانتخابيّ الذي أجريت به انتخابات 23 أكتوبر 2011 إبّان حكومة الباجي قايد السبسي الدستوري والتجمعيّ السابق.

ولكن، وبعد تجاذبات كبيرة، وقع إسقاط فصل العزل السياسي من القانون الانتخابيّ قبل التصويت النهائيّ، ودون أن يقع تفعيل قانون العدالة الانتقاليّة الذي ناضلت من أجله القوى الديمقراطيّة التونسيّة منذ الثورة. ولم يكن إسقاط الفصل 167 ليكون لولا تصويت حركة النهضة صاحبة الأغلبيّة البرلمانية ضدّه.

واللافت أنّ رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي قد تحوّل بنفسه عشيّة عرض الفصل على التصويت إلى قبّة المجلس التأسيسيّ، ليجتمع مع مجموعة من نوّاب حركته، ويحثّهم على إسقاط هذا الفصل.

وحضور راشد الغنوشي بنفسه إلى التأسيسي يؤكّد أنّ الحركة لم تكن منضبطة هذه المرّة، بل كانت مواقف نوّابها غير متجانسة، حتى أنّ بعض النساء من نواب النهضة تهجّمن على رئيس كتلتهنّ عقب التصويت على إسقاط الفصل.

والسؤال هو لماذا هذا الإصرار كلّه من رئيس حركة النهضة على إسقاط قانون العزل السياسيّ؟ أو بصيغة أخرى لماذا يقدّم الغنوشي للنظام القديم فرصة للعودة من جديد؟ قدّم الغنوشي عن هذا السؤال جوابا دبلوماسيا مغلّفا بغلاف الديمقراطيّة ملتقيا مع ما يقوله رموز النظام حين قال: «فلتسقطهم صناديق الاقتراع». وهذا ما يردّده الدساترة (جماعة الحزب الدستوري) والتجمعيّون دائما. يعرف الغنوشي أنّ للنظام القديم ورموزه المال والخبرة والعلاقات وكلّ إمكانيّات العودة إلى الحكم. ويعرف أنّ الشعب التونسيّ سيتألّم إذا رآهم من جديد.

سياسيّا ما فعله الغنوشي يعتبر حركة قويّة مؤثّرة قلبت المشهد وحسمته وأنهت الجدل بشأنه. وهي تدلّ على الحضور الوازن للأغلبيّة النهضويّة في التأسيسيّ بقطع النظر عن حجم تحالفاتها. وتدلّ أيضا على قيمة التأثير الذي للغنوشي داخل حركته. فهو الوحيد القادر على اتّخاذ الموقف وعلى دفع النهضة إليه.

ولنتذكّر أنّ الغنوشي كان قد قال يوم إعلان ميلاد حكومة مهدي جمعة أنّ النهضة خرجت من الحكومة ولم تخرج من الحكم. وسيبقى القرار بيدها دائما. وهو يعي ما يقول. وهذا ما يجعل إسقاط فصل العزل السياسيّ قرارا “نهضويّا” بالأساس.

لا يمكن لأيّ صاحب نفس ديمقراطي أن يكون مع العزل السياسي، ولكن متى لم تتحقّق العدالة الانتقاليّة والمحاسبة والمصالحة الوطنيّة بعد ثورة، كما حدث في تونس، قد يصبح العزل السياسيّ إجراء وقائيّا ظرفيا لا بد منه اتّـقاء لمخاطر أكبر. ولذلك كان يمكن أن يكون الغنوشي محقّا في إسقاط فصل العزل السياسي في حالة واحدة هي إذا تمّ سنّ قانون العدالة الانتقاليّة ووقعت المحاسبة والمصالحة الوطنيّة. ولكنّ العدالة الانتقاليّة بقيت شعارا فقط. وكان تفعيلها بيد حركة النهضة باعتبار أغلبيّتها النيابيّة وانتماء وزير العدالة الانتقاليّة إليها طيلة ما يناهز الثلاث سنوات. فإذا لم تتحقّق العدالة فإنّ إسقاط العزل ظلم.

ولو افترضنا أنّ الغنوشي ديمقراطيّ جدّا أليس الأحرى به أن يقدّم العدالة على الديمقراطيّة؟ فالقضاء لم يُدِن أعوان النظام القديم ولم يبرّئهم أيضا. وفي كلّ الأحوال إن لم يكن لمن استفاد من نظام بن علي مسؤوليّة جنائيّة فالمسؤوليّة الأخلاقيّة ثابتة. وهذا ليس عقابا جماعيّا كما يردّد الدساترة والتجمعيّون وإنّما هو الإنصاف لشعب كامل والدفاع عن كرامته السليبة.

ربّما يُغضِب الغنوشي بإسقاطه لفصل العزل السياسيّ القوى الثوريّة، ولكنّه سيكسب ودّ قوى أخرى ليست ثوريّة ولكنّ لها مكانها اليوم لاسيّما حركة نداء تونس والعائلة الدستوريّة المستقرّة في الساحل الشرقي التونسي المرفّه.

والبعض يبرّر للغنوشي بأنّه عانى من الاستبداد ولا يمكنه أن يشارك فيه. ولكنّ السماح لرموز النظام القديم بالعودة إلى الحياة السياسيّة لن يمنع الاستبداد بل هو التذكير بالاستبداد. كما أنّ حكومتي الترويكا الأولى والثانية اللتين قادتهما النهضة لم تكونا خاليتين من مظاهر الاستبداد ولا من مظاهر العنف الرسميّ والعنف الممنهج وعنف المليشيات.

لا يمكن لموقف الغنوشي أن يكون خارج دائرة الاتفاقات السياسية والانتخابيّة لاسيما بعد أن تواتر ظهور أعوان بن علي وقادة حزب التجمّع المخلوعين في الفضائيّات والإذاعات بشكل متواز يدعو إلى الريبة. فهو بحدسه عرف أنّ تجربة الترويكا فشلت، وأنّ حزبي المؤتمر والتكتّل لن يكونا وازنين مستقبلا في الساحة السياسيّة التونسيّة. كما أنّ حركة النهضة تحمل التهمة الإخوانيّة صليبا ترغب دائما في التفصي منه رغم شعارات “رابعة” التي يرفعها نوابها في المجلس التأسيسي.

الغنوشي يعمل على تثبيت النهضة في تونس وعلى ضمان مكان لها في الحكم بكلّ الأشكال، حتى وإن كان ذلك عبر فتح الباب لعودة أعوان بن علي دون محاسبة ولا مصالحة وطنيّة ولا عدالة.

بإسقاطه لقانون العزل السياسي قبل تفعيل العدالة الانتقاليّة، حرم الغنوشي نوّاب حركته من شرف الالتحاق بكوكبة المدافعين عن كرامة الشعب. وحرم أنصاره ومريديه من شعار أثير على نفوسهم هو معاداة “الأزلام”. لكن ربّما غاب عنه أنّ ظهور رموز نظام بن علي في الحملة الانتخابيّة القادمة قد يكون مستفزّا وقد يؤجّج مشاعر التونسيّين وقد يمنح ورقة ثمينة للقوى الثوريّة تقلب بها المشهد رأسا على عقب فتنتفض الجماهير على منتجات 23 أكتوبر 2011 كلّها وتكنسها كما كنست نظام بن علي من قبلها.

وليكن الله في عون أمّهات الشهداء اللواتي لم تجفّ مدامعهنّ بعد، وفي عون جرحى الثورة الذين ما زالت جروحهم وإصاباتهم تنزف، وفي عون الشباب الثائر الذي ما زالت تأكل البطالة أيّامه ويلتهمه انسداد الأفق وتسبيه الأحلام الميّتة.


كاتب وباحث سياسي تونسي

8