لماذا أكتب

السبت 2017/06/17

لماذا تكتب الشعر؟ ولماذا لا أكتبُ الشعر؟ لماذا تكتب الرواية؟ ولماذا لا أكتب الرواية؟ لماذا تكتب مسرحًا؟ ولماذا لا أكتب نصّا مسرحيّا؟

هذه ثلاثة أسئلة وجَّهتُها باقتضاب شديد لروائي وشاعر ومسرحي يقطنون في إحدى الدول الأوروبية خلال إدارة ندوة أدبية في مركز ثقافي، إجاباتهم التي حمَلَت أيضاً معنى السؤال وقيمَته، فتَحَت أمامي أسئلة أخرى.

لماذا يكتُب المؤلف أو الشاعر في العالم العربي، الإجابة الأكثر شيوعاً عن هذا السؤال هي: أكتب لنفسي أولاً، أكُتبُ لأني أريدُ أن أكتُب! طبعاً هنا لا يمكن التعميم لكن يمكن مراجعة الحوارات الصحافية أو التصريحات التي يدلي بها الكُتَّاب العرب عادة، حاولَ كثيرون البحث في أسباب الكتابة ودوافعها، في العالم العربي تتم الإجابة عن هذا السؤال بالكثير من المراوغة والاختباء خلف عبارات مسبقة جاهزة الصنع والمعنى.

في قصيدته “لماذا أكتب” يجيب الشاعر الدمشقي نزار قباني عن هذا التساؤل الذي يتضح في متن الشعر بأنَّهُ كان مؤرِّقاً له في لحظة ما، يقول نزار “أكتبُ/كي أفجر الأشياء، والكتابة انفجار/ أكتب/ كي ينتصر الضوء على العتمة/ والقصيدة انتصار”، في مكان آخر من القصيدة يقول “أكتبُ/ حتى أُنقذ العالم من أضراس هولاكو/ ومن حكم الميليشيات/ ومن جنون قائد العصابة/”، وفي مطرح ثالث من ذات القصيدة يقول “أكتبُ حتى أنقذ الكلمة من محاكم التفتيش/ من شمشمة الكلاب/ من مشانق الرقابة”.

يضع نزار أمام قارئه بياناً وضاحاً منوَّع الأغراض والأهداف عن فعل الكتابة وأسبابه، لكن هل يمكن تعميم هذه الأسباب؟

في ناحية أخرى من هذا العالم وبتفصيل أكثر طرح الصحافي والروائي البريطاني جورج أورويل دوافعه الرئيسة للكتابة في أربعة بنود، تقوم على حب الذات الصرف، الحماس الجمالي، الحافز التاريخي، والهدف السياسي، بمعالجة الخطوط العريضة لهذه النواحي التي طرحها أورويل نجد أن رغبة الكاتب في أن يكون محور حديث الآخرين في حياتِكَ وموتِك تغدو حافزاً للكتابة، والسعي لإعادة ترتيب قيَم الجمال انطلاقاً من ذات الكاتب أو محيطه تكون هدفاً في بعض الأحيان لفعل الكتابة، أما إعادة قراءة التاريخ البعيد أو القريب أو اليومي فإنها بحثٌ عملي بقالب أدبي لإعادة اكتشاف العالم.

في سياق مختلف يوضح صاحب نوبل التركي أورهان باموق أسباب الكتابة لديه بالقول “أكتب لأن تلك رغبتي، أكتب لأني لا أقدر على القيام بشيء آخر غير الكتابة، أكتب كي أناقش بعض الآراء التي وردت في كتبي، أكتب لأني غاضب منكم جميعاً، من العالم كله، أكتب لأنه يروق لي أن أنزوي في غرفتي اليوم كله، أكتب حتى يعرف العالم أجمع أي حياة عشنا، وأي حياة نعيش، أكتب لأني أحب رائحة الورق والحبر، أكتب لأني أؤمن فوق ما أؤمن به، بالآداب وبفن الرواية ومن ثم بالصحافة، أكتب لأن الكتابة عادة وشغف”.

من جهة ثالثة، يقول الصحافي الأورغواياني ادواردو غاليانو “حاولتُ ومازلتُ أحاول أن أقول الكثير بكلمات أقل، أن أبحث عن الكلمات المجردة على حساب البلاغة، كانت الكتابة ولا تزال صعبة لكنها في غالب الأحيان تعطيني شعوراً عميقاً ومتعة كبيرة بعيداً عن العزلة والنسيان”.

التجارب الذاتية هي الفيصل في الإجابة عن هذا السؤال، تبرز هنا إلى جانب كل ما سبق الرغبة في أن تكون في مكان ما قريباً من الحلم والحقيقة، واقفاً على الخط الفاصل بين الخيال وبين اليقين لتعيد رسم العالم من جديد، وتروي ما يمكن قوله في الحياة القصيرة، فالكتابة فعل تمرُّد على الأشياء، بركان لا يهدأ، يُستثنى من هذا التوصيف ما وقع في باب التزوير عن سبق وترصُّد، ولكلٍّ أهدافه في الكتابة ومنها، تختلف الرؤى ربما بحسب جغرافيا الفكر التي تفرضها طقوس الجغرافيا على مُنتِج النص الإبداعي.

مرَّةً سُئلتُ هذا السؤال؛ لماذا أكتب؟ قلت “إلى جانب أسباب أخرى، أكتب لأن هناك ميِّتاً رحلَ دون أن يكون له من الوقت ما يكفي ليروي حكايته، ككاتب سوري أروي اليوم قصص الراحلين في عبث الموت اليومي في بلادي التي تحترق”.

كاتب سوري

15