لماذا أكذب على نفسي

السبت 2017/08/05

“كنت أهبط سفحا وظننت أنني أصعد، كنت أصعد بالفعل في نظر الرأي العام، لكني في الحقيقة كنت أنزلق إلى الأسفل وكانت الحياة تهرب مني.. لعلي لم أعش كما ينبغي لي أن أعيش”. كانت هذه، الكلمات الأخيرة للقاضي إيفان بطل قصة ليو تولستوي “موت إيفان إيليتش”، قبل أن يستسلم لفكرة موته الوشيك.

في لحظات احتضاره الأخيرة، شعر إيفان بما يشعر به راكب قطار فقد الإحساس بالاتجاهات، في رحلة طويلة ومملّة “عندما نتصور أننا نتقدم، بينما نحن نتأخر”، ثم نلتفت فجأة، لندرك أن الحقيقة كانت طوال الوقت واقفة خلفنا في الظل، الحقيقة التي أدركناها متأخرين ونحن على وشك المغادرة.

سلام أم استسلام؟

لا فرق؛ فالاستسلام في معركة غير متكافئة، هو الطريق المتاح للسلام النفسي، سلام يشبه لحظة الاحتضار، عندما يتوقف القلب متعبا في وسط ساحة المعركة كقائد مهزوم، وتكف مطارق الألم عن تسديد ضربات الاحتجاج على جدران الروح، عندما نطرق خجلا من محاولاتنا اليائسة لترقيع ثقب الغياب، ويتوقف دوران الحلم في ساقية النهاية.

هذه هي النهاية ببساطة، نهاية حياة، حب، أو حلم، النهاية التي تقررها قوى خفية مازالت تجدل خيوط نسيجها كل يوم، بينما تبتسم وهي تراقب لهاثنا غير المجدي في محيط من سراب، تبتسم بمكر وهي تعلم بأن جرس النهاية لا يذعن إلا لأمرها.

كانت قصة إيفان “من أبسط القصص وأشدها فظاعة”، كان ذكيا ومستقيما، موظفا ممتازا ورب أسرة، ينهض في التاسعة، يتناول قهوته ويقرأ صحيفته ثم يذهب للعمل، يدخن في أوقات فراغه ويشرب الشاي ويتحدث قليلا في السياسة، وعندما يعود إلى المنزل في المساء يجد الزوجة والأبناء يقومون بأعمالهم الروتينية، أما الخلافات الزوجية فكانت على أشدها “ولم يكن التوصل إلى إنقاذ المظاهر ممكنا إلا بشق الأنفس”.

مضت حياته وفقا للمثل الأعلى الذي خطه لنفسه: بيسر وسرور وسلامة! حتى أصيب بوعكة صحية، حين أحس فجأة بذلك الألم العضال، فصار مضطرا إلى أن يعيش على حافة الهاوية، وحيدا تماما، من دون أن يفهمه ويرثي له أحد. “نعم، كنت أحيا وحياتي تمضي، تمضي ولا يمكنني أن أستبقيها، لماذا أكذب على نفسي؟.. كان النور قبل ذلك، والآن جاءت الظلمات، كنت هنا، والآن إلى أين أنا ذاهب؟”.

تيقن إيفان في أعماق نفسه بأنه كان يموت، لكنه لم يتوصل إلى أن يألف هذه الفكرة، بل إنه لم يكن يفهمها، فصار يكره كذب الآخرين؛ هذا الكذب الذي كان يرتكب تجاهه عشية موته “فالحدث الفظيع لاحتضاره كان قد انحطّ على أيدي المحيطين به”.

ولكنه عندما اختار في لحظة صفاء، أن يستسلم ويرفع الراية البيضاء في معركة غير متكافئة، لم يعد يخاف الألم ولا حتى الموت؛ فالموت كان قد مات أيضا. مات بطل تولستوي، في الخامسة والأربعين من عمره بعد أن تسنى له أن يكتشف الوهم؛ وهم الحياة واللهاث خلف أمالها ومقاومة اليأس والفشل، فصار يرى أن لا جدوى من كل هذا، وأن النهاية آتية لا محالة ولن تكون، بطبيعة الحال، النهاية التي سنختارها.

هكذا هو الأمر ببساطة، نقاوم مدّ اليأس ونتحايل على الفراق وفي النهاية، في اللحظات الأخيرة لاحتضار الحب، تنتشلنا لحظة اليقين من شِراك الوهم، سنكون مبللين بخيبة الألم، لكن، ولحسن الحظ، فكما الغريق الذي لا يخشى البلل، فإن خروجنا من دائرة الوهم الذي قيدنا في البداية سيكون في اللحظة ذاتها التي ينتهي فيها الحب، لن نشعر بموته مطلقا، طالما أن الأشياء كانت قد ماتت فينا قبل ذلك بكثير!

كاتبة عراقية

21