لماذا اختار الغرب الإخوان

الأربعاء 2014/03/19

سنسلط الضوء في هذه المقالة وفي مقالات أخرى مقبلة إن شاء الله على أبحاث مؤسسة “راند”، ومن خلال وصف مبسط لهذه المؤسسة، سيتبيّن سبب التطرق إلى أبحاث هذه المؤسسة تحديدا.

تعتبر مؤسسة “راند” أكبر مركز فكري في العالم مقره الرئيسي في الولايات المتحدة وفي ولاية كاليفورنيا تحديدا، ولها فرعان آخران فقط في العالم أحدهما في قطر تم تدشينه في عام 2003 والآخر في لندن، ويعمل في المؤسسة ما يقرب من 1600 باحث وموظف يحمل معظمهم شهادات عليا، وقد رصدت للمؤسسة ميزانية سنوية تتراوح بين 100 و150 مليون دولار، وتوصف المؤسسة بأنها مؤثرة بشكل كبير على مؤسسة الحكم في الولايات المتحدة ولها تعاون مباشر مع المخابرات الأميركية “سي آي أيه”، كما توصف بأنها تبني وتدعم توجهات التيار المتشدّد في البنتاغون، ممّا يجعله يدعم ويمول الكثير من مشاريعها، وتصب الكثير من دراساتها في خانة “مواجهة الإسلام والمسلمين”، كما ساهمت بشكل كبير في رسم خطة الحرب على الإرهاب التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لخّصت دراسات “راند” علاقة أميركا بالمسلمين ومع من يجب على الإدارة الأميركية أن تتعامل، وكيف يتم التعامل حتى تكسب واشنطن صراعها مع المسلمين، والذي كان سابقا صراعا مع المتشدّدين منهم فقط.

ارتكز التعامل الأميركي على تيارين من المسلمين ليتم استخدامهما في تحقيق الأجندات الأميركية هما “الإخوان المسلمين” و”التيار العلماني” الذي وصفته دراسات “راند”، بأنه البعد المنسي في حرب الأفكار ضد الإسلام، والذي أوصت تلك الدراسات بإعادة إحيائه وتحريكه بتناغم مع تيار الإخوان، حتى يزيد من تأثير الإخوان لكون العلمانيين يشكلون طبقة حاكمة تملك النفوذ والتجربة والمال، وهذا ما يفسر انضمام العلمانيين مع الإخوان في “ملتقى النهضة”، وفي محاولة ضغطهم على السعودية حيث حاول العلمانيون إثارة بعض القضايا لزعزعة الداخل السعودي، كاختيارهم توقيت تسيير تظاهرات لقيادة المرأة في السعودية أثناء محاولات إدخال الربيع العربي للسعودية، وفي أوج ممارسة الإخوان في السعودية لتحريضهم ضد النظام، كما أنه يفسر أيضا تحالف التيار الليبرالي مع الإخوان في الكويت، والذي نتج عنه قيادتهم المشتركة لتظاهرات “كرامة وطن” ولتظاهرات أخرى في ما سمي بساحة الإدارة.

وضعت مؤسسة “راند” استراتيجيات لتحديد شكل صراعها مع المسلمين تمحورت كلها حول الاستهداف الفكري الهادئ الذي أسقط الشيوعية وأدى إلى تفكك الاتحاد السوفيتي، وجعلت الهدف الرئيسي هو بناء شبكات مسلمة “معتدلة” وفق معايير معيّنة تصب في صالح الولايات المتحدة بكل تأكيد، لتكون هذه هي الوسيلة لتغيير أفكار المسلمين عموما وليس المتشدّدين فقط.

الإسلام “الحداثي” أو الإسلام “المعتدل” هو القارب الذي صنعته مؤسسة “راند”، واختارت الطاقم المناسب له وهو تيار “الإخوان المسلمين”، ليقوده ويُبحر به في الاتجاه الذي حددته ورسمت خارطته الولايات المتحدة، للوصول إلى إسلام يتوافق مع الحداثة العالمية ويندمج داخلها.

لقد اختارت مؤسسة “راند” الإخوان المسلمين تحديدا بعد دراسة مفصلة قامت بها، عنوانها “إسلام ديمقراطي حديث” صنّفت بها المسلمين إلى أربعة أصناف هم: “أصوليون وتقليديون وحداثيون وعلمانيون”، ووضعت برنامجا لمواجهة الأصوليين عبر الأصناف الثلاثة الأخرى، حيث أن المعتدلون في هذه الدراسة هم الإسلاميون الذين يقبلون بالقيم الغربية ويرون أن الإسلام يتعايش معها، وهذا هو النموذج الذي سعى الإخوان المسلمون لتقديمه إلى الغرب عبر تبنيهم للديمقراطية والحكم عبر دساتير مدنية وخلو خطابهم من أي استعداء للغرب أو حتى للنصارى العرب، وقد شدّدت الدراسة على ضرورة التقريب بين المعتدلين والعلمانيين الذين يشكّلون طبقة حاكمة لديها النفوذ والتجربة والمال، مع ضرورة الاستعانة بخطاب التقليديين لكسر خطاب الأصوليين، وحثت الدراسة على ضرورة دعم الإسلاميين المعتدلين وتسخير المنابر الدعائية لهم وطباعة كتبهم ومنشوراتهم، وإظهارهم إعلاميا لنشر رسالتهم التي ستواجه الأصوليين.

وكانت هذه الدراسة قد نشرت بعد 11 سبتمبر، ولكن تم تغيير الاستراتيجية عام 2005 وعام 2007 نحو مواجهة المسلمين عامة وليس الأصوليين فقط، وبقيت جميع الدراسات والاستراتيجيات المرسومة ترتكز على ذات المحورين الرئيسيين وهما “الإخوان المسلمين” و”العلمانيين”.

يرجع سبب تمسك مؤسسة “راند” بالعلمانيين كونهم الأداة الأقدم التي تم تهيئتها فكريا وعمليا من قبل الغرب لتصل إلى مستوى الطبقة الحاكمة وتملك النفوذ والمال، وأما عن سبب اختيارهم للإخوان المسلمين وتمسكهم بهم هو شغف الإخوان للسلطة واستعدادهم لتقديم التنازلات للحصول عليها، كما أن لديهم جمهور واسع، وخطاباتهم تحمل مفردات إسلامية وهذا يسهّل تسويقهم كجماعة إسلامية لدى المسلمين، وتكون بديلة عن أي إسلام آخر خارج سيطرة الولايات المتحدة.

وقد وضعت إحدى دراسات مؤسسة “راند” معايير للتفريق بين المعتدلين والمتطرفين لأجل بناء شبكات إسلامية معتدلة وهي:

أولا: القبول بالديمقراطية.

ثانيا: القبول بمصادر تشريع غير مذهبية.

ثالثا: حقوق النساء والأقليات الدينية.

رابعا: نبذ الإرهاب والعنف.

ونجد من الواضح أن الإخوان المسلمين اليوم هم أكثر من يرفع شعارات الديمقراطية، وأصبحوا يقبلون بمصادر تشريع غير إسلامية بل ويطالبون بها بعد أن كانوا يكفّرون الحكام الذين يحكمون بدساتير وضعية، وضموا أخيرا مجموعة من النساء للعمل في أنشطتهم السياسية، وقد لوحظ ذلك في تشكيل المكتب السياسي للإخوان المسلمين في الكويت، حيث ضمّ ولأول مرة في تاريخه عددا من النساء كأعضاء فيه، كما أن الإخوان قد تبرؤوا من التنظيمات المسلحة وعملوا على محاربتها إعلاميا باسم “الوسطية”.

لهذه الأسباب تم اختيار الإخوان المسلمين دون غيرهم، ولهذه الأسباب تغيرت توجهات الإخوان المسلمين وتغير خطابهم.

كاتب صحفي كويتي

8