لماذا استدار نتنياهو إلى أقصى اليمين مع عودة الحديث عن مبادرات السلام

الأربعاء 2016/05/25
دراسة متأنية لاهتمامات مشتركة

واشنطن – أكد العديد من المراقبين أن الجهود الإقليمية والدولية التي تعنى بالملف الفلسطيني الإسرائيلي تواجه هذه الأيام تحركات سياسية داخلية أشبه بعملية بناء حصن أمام مساعي السلام، فبعد تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في اتجاه حث الأطراف الإسرائيلية على المشاركة في مؤتمر السلام الذي اقترحه وبالتوازي مع المبادرة الفرنسية في التسوية، سارع بنيامين نتنياهو إلى القيام بتعديل حكومي يعتبر خطوة تصعيدية ضد تلك الجهود، وهذا ما أكده الباحث ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن ديفيد ماكوفسكي.

فقد وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه أمام مقايضة صعبة على المستوى السياسي، داخليا وخارجيا. فإما أن يقيم تحويرات في حكومته لصالح حزب إسرائيل بيتنا اليميني المتطرف فيضع أفيغدور ليبرمان وزيرا للدفاع عوض موشيه يعلون ومعه خمسة وزراء آخرين لضمان بقائه على رأس الحكومة، وإما أنه يحافظ على التركيبة ذاتها فيكون مآله الإزاحة. وفي الحالة الأولى التي تحققت فعلا، نتنياهو الآن في مواجهة شديدة مع مبادرات دولية للوصول إلى حل للقضية الفلسطينية، فهذه المبادرات ليست سوى خطوات دبلوماسية لحصر التمدد اليميني المتطرف في السلطة الإسرائيلية.

هذا التطور السياسي الداخلي كان نتيجة لعدد من الاتصالات والمفاوضات السرية التي دامت أشهرا بين نتنياهو وقيادات في حزب العمل اليساري، كانت ستتوصل إلى تعديل حكومي لو لم يعكس نتنياهو الهجوم في آخر لحظة بعد ضغوطات شديدة من اليمين حول عدد من النقاط التي من بينها تحديد النشاط الاستيطاني وإعادة العمل الدبلوماسي لاستئناف مفاوضات السلام مع الفلسطينيين. وهذا ما أدى إلى تغير تام في عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي من اتفاقات إيجابية مع اليسار ليعود إلى اليمين المتطرف وتبدأ دائرة التوتر مرة أخرى في الدوران، خاصة وأن زعيم حزب إسرائيل بيتنا المتشدد ليبرمان أصبح اليوم وزيرا للدفاع، أي وزارة حرب أخرى منتظرة.

يثير هذا التحول الذي شهدته الأوضاع في الأسبوع الأخير الكثير من التساؤلات حول الطريقة التي سيعمل من خلالها ليبرمان مع نتنياهو بصفته وزيرا للدفاع والتأثير الذي قد يحدثه في السياسة الخارجية الإسرائيلية. وكان ليبرمان، وهو مهاجر من مولدافيا، قد بدأ مسيرته السياسية مديرا عامًّا لمكتب رئيس الوزراء خلال ولاية نتنياهو الأولى عام 1996. وعلى الرغم من أنه كان مفيدا في البداية في جذب دعم المهاجرين الروس لنتنياهو، اختلف الإثنان بعد ذلك وأسس ليبرمان حزبه الخاص بالمهاجرين.

ومنذ ذلك الحين لم يُخف ليبرمان رغبته في قيادة اليمين الإسرائيلي، ليصبح من أشد منتقدي رئيس الوزراء. ففي العام الماضي هزّ البلاد عندما قرر البقاء خارج الحكومة الحالية، زاعماً أن نتنياهو كان مقرباً جداً من الأطراف اليهودية المتشددة التي شككت في النسب اليهودي لبعض المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق. واتهم أيضاً رئيس الوزراء بأنه يشع “ضعفا” في ما يخص الإرهاب، وقبل أسبوعين فقط دعا نتنياهو إلى الاستقالة للسبب نفسه.

وفي الواقع، يشعر ليبرمان بالغبطة عند إصداره تصريحات استفزازية للغاية؛ فخلال حرب غزة عام 2014 كان الوزير الوحيد الذي دعا علناً إلى إعادة الاحتلال الإسرائيلي الكامل لتلك الأراضي. وفي أحيان أخرى دعا إسرائيل إلى قصف سد أسوان، قائلا “فليذهب الرئيس المصري السابق حسني مبارك إلى الجحيم” إذا كان لا يريد زيارة إسرائيل. ولكن، بصفته وزير الخارجية ما بين العامين 2009 و2015، أظهر واقعية أكبر، حيث أشار علنا إلى أنه لا بد لإسرائيل من إطلاق أفكار السلام الخاصة بها وإلا فسيتخذ الآخرون المبادرات الخاصة بهم.

ونظرا إلى تصريحاته حول غزة، فإن تعيينه وزيرا للدفاع سيدفع بالبعض إلى التساؤل عما إذا كنا سنشهد حرباً أخرى مع حركة حماس في المستقبل القريب.

وفي السابق كان نتنياهو قد عيّن جنرالات سابقين في منصب وزير الدفاع، مثل اسحق مردخاي عام 1996 وايهود باراك عام 2009 ويعلون عام 2013. وفي المقابل، لم يتول ليبرمان قط منصبا رفيعاً في “الجيش الإسرائيلي”، وليس من الواضح بتاتا كيف سيتماشى مع كبار ضباط “الجيش الإسرائيلي”. ومنذ انهيار محادثات السلام عام 2014، سعت القيادة العسكرية إلى لعب دور في استقرار الساحة الإسرائيلية الفلسطينية، لا سيما على مدى الأشهر القليلة الماضية، وهي مقاربة بُررت على ما يبدو بفعل الانخفاض الأخير في موجة هجمات الطعن.

من جانبه، يعرف ليبرمان بدعوته العلنية لشن حملة واسعة النطاق في الضفة الغربية. كما أنه زار قاعة المحكمة التي يحاكم فيها الجندي في “الجيش الإسرائيلي” إيلور عزاريا بتهمة القتل غير العمد بعد إطلاقه النار على منفذ عملية طعن فلسطيني في الخليل كان يرقد بلا حراك على الأرض.

وقد دعا ليبرمان إلى إصدار أحكام إعدام إلزامية بحق الإرهابيين لكي لا يمكن الإفراج عنهم في أي عملية لتبادل الأسرى، الأمر الذي يرى بعض الإسرائيليين أنه سيؤدي إلى تعميق دوامة الانتقام. ومن غير الواضح بتاتا ما إذا كانت المحكمة العليا الإسرائيلية ستوافق على الإجراء.

هذه السلوكات، والتي تعتبر متوقعة من شخصية متطرفة مثل أفيغدور ليبرمان، لا يمكن لها أن تؤسس لمسار السلام بأي شكل من الأشكال. ويقول ديفيد ماكوفسكي في هذا السياق إن نتنياهو “أغلق الباب أمام حدوث تحول في السياسة كان من الممكن أن يخفف من حدة سلسلة من المبادرات الدولية التي ليست كما يرغب حتما”، فبدلا من ذلك يواجه نتنياهو الآن تحديا أكثر صعوبة في الداخل والخارج، ومن الصعب أن يتم توقع كيفية مواجهته له في المستقبل القريب.

7