لماذا الإمارات

السبت 2014/07/19

كنت ألوم الإمارات على التعامل الغاضب مع جماعة الإخوان المسلمين داخلها، ووجهة نظري مردها أن المؤسسة السياسية في الإمارات تحظى بشعبية مريحة وحاسمة- تقارب الإجماع- بين المواطنين الإماراتيين، وبالتالي فإن أي دعوة شاذة لن تشكل مصدر إزعاج أو خطر. والحقيقة أن المؤسسة السياسية في الإمارات تدرك ذلك، فهي تتبادل الثقة والمحبة مع مواطنيها، لكنْ هناك جانب خفي من الصورة.

الخلايا الإسلاموية التي ضبطت في الإمارات لم تشكل خطرا سياسيا بأي وجه من الوجوه، لكنها شكلت خطرا أمنيا حقيقيا. فالخلايا السياسية واجهة لخلايا أمنية إرهابية استهدفت أهم مقومات التجربة الإماراتية الناجحة عالميا، التنمية والأمن. والتفاصيل الدقيقة لما أقول معروفة عند أهل الاختصاص والعلم.

خبايا صراع الإسلام السياسي مع الإمارات ستتكشف يوما، والغموض المحيط بها مقدر، فليس مطلوبا تمكين الإرهاب من اكتشاف القوة الذاتية الإماراتية، وليس مطلوبا- أيضا- إقلاق أهل الإمارات ومحبيها بتفاصيل قد يؤدي ذيوعها إلى التأثير السلبي على مشاعر الاطمئنان والثقة التي تحظى بها الدولة محليا ودوليا، حتى لو كان تأثيرا طفيفا.

إن الأمواج العاتية التي خطت نحو الشواطئ الإماراتية تكسرت على الصخر، وخرجت الإمارات من الزوبعة منتصرة بركيزتين: التكاتف الاجتماعي الداخلي من الإماراتيين وغيرهم، والتعاضد العربي والدولي. وهنا كان السؤال: لماذا تم استهداف الإمارات ولماذا انتصرت؟

تفرّدت الإمارات- عن غيرها من الدول المعادية للإسلام السياسي- بأنها تقدم نموذجا تنمويا قابلا للتصدير، ويمكن الاحتذاء به إداريا وأمنيا وتنمويا. في عالم التطرف وصراع الطوائف الذي شوه صورة الإسلام والمسلمين، قدمت الإمارات نموذجا مسلما حضاريا، أضاف تجربة فريدة في قطاع التنمية الشاملة والمستدامة امتازت بالموازنة بين مبدأ حفظ الأمن وقيمة الحريات الاجتماعية. والطريف أن القوى الإسلاموية برهنت على تطرفها عبر اتهام الإماراتيين بمعاداة الدين، والحقيقة أن الإمارات تعادي تجار الدين وزبانيتهم، وتوالي الدين وأهله وفق معادلة: الإسلام السياسي ليس نقيض الكفر السياسي، بل هو نقيض الإسلام، وهي معادلة سليمة.

النموذج الذي قدمته الإمارات هو العدو الأول للإسلاموية التي تتفشى في المجتمعات المريضة تنمويا وإداريا وحضاريا. مشاريع التنمية الناجحة، وأؤكد على “الناجحة”، المتوازية مع الاستثمار في الإنسان، حصّنت المواطن الإمارتي من السقوط في فخاخ الإسلاموية، وشكلت مناعة ذاتية للمجتمع. لذلك تم استهداف الإمارات من جماعة الإخوان المسلمين، ولن يتوقف استهدافها من الجماعات الإسلاموية، لأن النموذج الناجح ينسف مشروعية الإسلاموية من جذورها.

أتخوف على الإمارات من تصور البعض بأن السلفية قد تكون حليفا جيدا للإماراتيين في مواجهة الإسلام السياسي، وهذا التصور غير دقيق، فلا يمكن ضرب الإسلاموية بإسلاموية أخرى، بل بالمدنية. إذا كانت ثمة علاقة سياسية بين الإخوان وبين الإرهاب، فثمة علاقة اجتماعية بين الإرهاب وبين السلفية المتطرفة. تستطيع جماعة الإخوان أن تقدم الغطاء السياسي للمنظمات الإرهابية، لكن السلفية المتطرفة يتطابق خطابها الاجتماعي مع المشروع الاجتماعي للمنظمات الإرهابية كـ(داعش) والقاعدة. الإسلاموية- بكل صورها- لا تتفق ولن تتفق مع التجربة الإماراتية، أو مع أي تجربة تنموية ناجحة.

حين أقول، إن التنمية والاستثمار في الإنسان هما الضمانة الأمثل في رصيد المستقبل، أستطيع أن أضيف أن التجربة الإماراتية جديرة بالتمدد- خليجيا ثم عربيا- على صعيد الإدارة والتنمية والأمن. ألفت النظر إلى ضرورة استفادة الاتحاد الخليجي المنتظر من التجربة الإماراتية عبر توسيعها لتشمل دول مجلس التعاون.

الإمارات مطالبة بدور أكبر في مواجهة قوى الإسلام السياسي خليجيا وعربيا وإسلاميا. أتمنى أن تسير الإمارات، أكثر، في تعزيز قوة التيارات المدنية في العالم العربي، وفق تفهم الاختلاف بين المجتمع الإماراتي وغيره. إن مواجهة الإمارات للإسلاموية قدمت مكسبا كبيرا لمحور الاعتدال العربي بانخراط الإمارات فيه صراحة، بل يمكن القول إن المربع العربي (السعودية، مصر، الإمارات والأردن) هو ضمانة الاستقرار والتقدم في العالم العربي ومخزون قوته الجديد بعد الثالوث البعيد (السعودية، مصر وسوريا) والثالوث القريب (السعودية، مصر والأردن) بعد غياب العراق منذ عقدين، وضياع سوريا وشعبها بين استبداد آل الأسد وتآمر الإسلاموية، هذا المحور قادر على مواجهة المشروع الإيراني، وردع الصلف الإسرائيلي في عملية السلام، ووأد الإسلاموية.

الأسبوع الماضي، شهد الذكرى العاشرة لرحيل حكيم العرب، الشيخ زايد آل نهيان، الرجل الذي قدم الكثير لشعبه، وقدم الأكثر لأمته، والحديث عن هذا الرجل هو الجواب الوافي عن الشق الثاني من السؤال: لماذا انتصرت الإمارات.

لم يكتف الشيخ زايد ببناء دولة، فمع كل لبنة وضعها زايد لبناء دولة الإماراتيين وضع لبنة لبناء وطنهم، فإذا كانت الدولة تتألف من الحكومة (النظام السياسي) والشعب والأرض وفق كلاسيكيات السياسة، فإن الوطن هو رباط الحب بين كل هذه العناصر. على صعيد آخر، ستجد في كل دولة عربية- ربما- مدرسة باسم زايد، أو جامعة، أو مستشفى، أو مدينة سكنية نموذجية، أو شبكة طرق، تلك المشاريع التي رعاها الشيخ زايد، خلقت ملايين السفراء العرب للإماراتيين. وهذا المكسب الذهبي هو نتيجة علاقة أرساها زايد مباشرة مع الشعوب قبل حكوماتها.

لقد حقق زايد رصيدا ثمينا للإمارات- حكومة وشعبا- محليا وعربيا ودوليا، وهو رصيد نماه خليفته خليفة وساعده محمد، والحق أن الشيخ خليفة يستحق الإنصاف، فدوره في إكمال مسيرة والده محليا، وتطوير سياسته الخارجية- تفاعلا مع المتغيرات- جدير بالتأمل والتحية، والحقيقة إن تواضعه الشخصي وأدبه الجم من أسباب تقصير الإعلام في حقه.

في ذكرى زايد نقول لأي دولة خالفت العرف الخليجي في التكامل والتلاحم، وساهمت في إثارة الفتنة داخل البيت الواحد، لقد وضع زايد رصيدا إيجابيا سيخدم الإماراتيين أجيالا متعاقبة، أما أنتم فقد كونتم رصيدا سلبيا كافيا لنبذكم أعواما مديدة من الحكومات المخلصة والشعوب المحترمة.


صحفي سعودي

9