لماذا الاعتدال عدو "حزب الله"؟

الاثنين 2013/08/19

ما تعرّضت له الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أيّام مثير للقرف والحزن ويشكل دليلا على مدى تدهور الوضع اللبناني، خصوصا مع خروج الغرائز المذهبية من عقالها بأبشع شكل. صار هناك خطر على بيروت من أن تتحوّل إلى مدينة شبيهة ببغداد حيث الانقسامات المذهبية الحادة التي غيّرت شكل المدينة وتركيبتها الاجتماعية وطبيعة الحياة فيها.

في الضاحية البيروتية أبرياء تعرّضوا لتفجيرين داخل إحدى المناطق الواقعة تحت سيطرة «حزب الله»، أي ما يسمّى بـ»المربّع الأمني» من مربّعات الحزب المنتشرة في الأراضي اللبنانية، وهي مربّعات يسعى يوميا إلى توسيعها على حساب اللبنانيين والعيش المشترك وحساب مؤسسات الدولة اللبنانية.

كانت النتيجة سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف مواطنين لبنانيين وغير لبنانيين ذنبهم الوحيد أنّهم كانوا في المكان الخطأ لحظة وقوع عمل إرهابي مدان بكلّ المقاييس.

المثير للاشمئزاز أن هناك من احتفل بالجريمة وأطلق عيارات نار في الهواء ابتهاجا بوقوع تفجير في الضاحية التي معظم سكّانها من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة. حصل ذلك من منطلق مذهبي يدعو إلى التقيؤ، وهو يذكّر بتوزيع حلوى في الضاحية الجنوبية لدى استشهاد الزميل جبران تويني أواخر 2005 أو اللواء وسام الحسن العام الماضي. عندما لا يعود مكان آخر لغير الغرائز، يفترض في المواطن الذي يمتلك حدّا أدنى من المنطق والوعي التفكير في الأسباب التي جعلت من الممكن أن يكون هناك من يفرح بالقتل والإرهاب والجريمة والدمّ، بدل التفكير في كيفية كسر حلقة العنف والإرهاب.

الأكيد أن رد فعل «حزب الله» على الجريمة الأخيرة التي استهدفت الضاحية وأهلها لم يكن في المستوى المطلوب. لم يكن ردّ الفعل في مستوى طمأنة اللبنانيين إلى أنّه استوعب تعقيدات الوضع اللبناني، وأن من الأفضل العمل على تقوية الدولة اللبنانية بمؤسساتها، أو ما بقي منها وإيجاد أرضية مشتركة مع كلّ المعتدلين من كلّ الطوائف. على رأس هؤلاء الرئيس تمّام سلام المكلّف بتشكيل الحكومة منذ بضعة أشهر. هل هناك شخصية لبنانية معتدلة ومقبولة داخليا وإقليميا أكثر من تمّام سلام ابن البيت السياسي العريق الذي ترشّح منه الرئيس الماروني سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية عام 1970؟ إنّه البيت الذي لم يفرّق يوما بين شيعي وسنّي ومسيحي ودرزي والذي هُجّر صاحبه الرئيس صائب سلام، رحمه الله، لرفضه أن يكون تابعا لأحد باستثناء لبنان… ولرفضه السلاح أو أن يكون تحت رحمة «الزعران»، كما كان يسمّيهم.

من يريد بالفعل التعاون مع اللبنانيين الآخرين من أجل التصدي بشكل عملي للإرهاب يعمل قبل كلّ شيء على فتح خطوط اتصال عريضة تصبّ في التعاون مع كلّ زعيم لبناني ينادي بالاعتدال والعيش المشترك ويتطلع إلى حماية مؤسسات الدولة اللبنانية وتحصينها.

من يريد التصدي للإرهاب والإرهابيين لا يُسقط، مستخدما السلاح والتهديد، حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري ويفرض على اللبنانيين حكومة تابعة له برئاسة ميقاتي. حكومة صنعت فقط لإذلال أهل السنّة والمسيحيين والدروز إلى حدّ ما.

ما فات الأمين العام لـ»حزب الله» حسن نصرالله في خطابه الأخير الذي ألقاه في السادس عشر من أغسطس الجاري، بعد أربع وعشرين ساعة على جريمة الضاحية، الحديث عن الاعتدال وكيفية التعاطي مع المعتدلين بدءا بتشكيل حكومة تضمّ شخصيات محترمة وغير محسوبة، أو محسوبة، على اتجاه معيّن.

نعم، هناك شخصيات لبنانية من كلّ الطوائف لا غبار عليها لأنها تؤمن فعلا بلبنان وترفض في الوقت نفسه أي نوع من أنواع التعصّب المذهبي. هل مشكلة الأمين العام لـ»حزب الله» أن ليس في استطاعة حزبه، بكل ما يمثله التعاطي مع مثل هذا النوع من الشخصيات ولا يقبل مسيحيين في الحكومة إلا إذا كانوا من طينة ضعاف النفوس وذوي الأفق السياسي المغلق، أي من التابعين له مثل النائب المسيحي ميشال عون ومن على شاكلته؟

من يشكو من الغرائز المذهبية ومن الإرهاب الذي يتعرّض له اللبنانيون لا يكتفي بالشكوى من «التكفيريين» السنّة من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين. هؤلاء التكفيريون معروفون جيّدا وقد استخدمهم النظام السوري في تاريخ لم يمرّ عليه الزمن ضدّ الدولة اللبنانية في المرحلة التي كان يبحث فيها عن غطاء لجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.

من يتذكّر «أبو عدس»؟ من يتذكّر «فتح الإسلام» وشاكر العبسي الذي أخرجه النظام السوري من أحد سجونه وألقاه في مخيّم نهر البارد؟ من يتذكّر كلام السيّد حسن عن أن نهر البارد «خط أحمر»، وهو كلام جاء بعد قتل «التكفيريين» الموالين للنظام السوري جنودا وضبّاطا من الجيش اللبناني.

يمكن للشكوى من التكفيريين أن تكون ذات فائدة في حال التوجه إلى الاعتدال وليس إلى مزيد من التصعيد عبر التمسك بشعار «الشعب والجيش والمقاومة» الذي جلب الكوارث والويلات على اللبنانيين. الأكيد أن التورط عسكريا في سوريا حيث حرب يشنّها نظام طائفي على شعبه لن تساهم في كبت الغرائز المذهبية، لا في لبنان ولا في سوريا ولا في المنطقة. فالتحدي المطروح حاليا يتمثّل في اعتماد الاعتدال ولا شيء آخر غير الاعتدال للتصدي للإرهاب بكلّ أنواعه…هذا إذا كان مطلوبا بالفعل التصدي للإرهاب والإرهابيين بدل التذرع بهم وبالجرائم التي يرتكبونها من أجل إلحاق مزيد من الدمار بلبنان واللبنانيين ومؤسسات الدولة. هل الاعتدال السنّي والمسيحي وحتى الشيعي العدو الأوّل لـ»حزب الله». هل هذا ما يفسّر إلى حدّ كبير الحلف المقدّس القائم بين المذهبيين المنتمين إلى كلّ الطوائف والمذاهب؟

1