لماذا الضجة حول امتلاك السعودية جزءا من "الإندبندنت"

الحكومة البريطانية تتهم "إيفننغ ستاندرد" و"الإندبندنت" بأنهما مملوكتان جزئيا للسعودية إثر سلسلة من الصفقات "غير تقليدية" والتي وظفت لإخفاء حقيقة بيع حصص كبيرة من المنفذين الإخباريين.
الجمعة 2019/07/26
ضغوط السياسيين تهدد مستقبل الصحف

تتحدث الحكومة البريطانية عن مخاوف على استقلالية صحيفتي “إيفننغ ستاندرد” و”الإندبندنت”، بعد امتلاك رجل الأعمال السعودي، سلطان محمد أبوالجدايل، حصصا فيهما بحجة أن الصفقة اعتمدت على السرية، بينما تؤكد تقارير إخبارية عديدة تناقلتها وسائل الإعلام منذ يناير 2018 أن البيع لم يكن سريا، كما شددت الصحيفتان مرارا على استقلاليتهما التامة.

 لندن- لا يزال الجدل مستمرا في بريطانيا، حول بيع صحيفتي “إيفننغ ستاندرد” و”الإندبندنت”، لمستثمر سعودي وسط مخاوف بأن صفقة البيع تهدد استقلالية الصحيفتين، رغم تأكيد إدارة التحرير في الصحيفتين مرارا على عدم تدخل أي جهة في شؤونهما، واحتفاظهما بالحرية المطلقة.

واتهمت الحكومة البريطانية “إيفننغ ستاندرد” و”الإندبندنت” بأنهما مملوكتان جزئيا للسعودية إثر سلسلة من الصفقات “غير تقليدية ومعقدة وسرية”، والتي وظفت لإخفاء حقيقة بيع حصص كبيرة من المنفذين الإخباريين اللذين يتخذان من لندن مقرا لهما، إلى بنك حكومي سعودي، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وباع إفغيني ليبيديف، الذي يسيطر على الصحيفتين، 30 بالمئة من حصصهما لشركات خارجية تابعة لرجل الأعمال السعودي، سلطان محمد أبوالجدايل، في عامي 2017 و2018. وقد تحدثت صحيفة الفايننشال البريطانية عن هذه الصفقة في يناير 2018، وذكرت الصحيفة أن المستثمر السعودي يريد أن يصدر نسخا رقمية منها باللغتين العربية والأوردية، ما يؤكد أن الحكومة البريطانية كانت على علم بالصفقة في ذلك الحين، ولم يكن الأمر سرا.

وقال ديفيد سكانيل الممثل القانوني للحكومة البريطانية للمحكمة الثلاثاء، إن الحكومة السعودية أصبحت قادرة على ممارسة نفوذ تحريري على المنفذين، مشيرا إلى أن لبيع الأسهم “تداعيات على الأمن القومي”. وأضاف أن “ما يثير قلق الحكومة هو احتمال أن تستحوذ دولة أجنبية على حصة كبيرة في شركة ليبيديف القابضة، وهي مالكة الإندبندنت وإيفننغ ستاندرد”.

لكن المتابعين لقطاع الإعلام البريطاني، يردون على هذه المزاعم بالقول بأن هناك العديد من رجال الأعمال الأجانب الذين يملكون استثمارات ضخمة في هذا القطاع بالمملكة المتحدة.

وقبل شهر، أعلن وزير الثقافة جيريمي رايت عن إجراء تحقيق في الصفقات، محذرا من أن المستثمر يمكن أن تجمعه “روابط قوية بالسعودية”، مما يثير مخاوف من اكتساب حكومة أجنبية نفوذا يؤثر على اتجاه الأخبار التي تنشرها صحيفتان بريطانيتان بارزتان.

وتتنافى هذه الحجج مع تصريحات سابقة لمسؤولي الصحيفتين، فقد شدد متحدث باسم الصحيفتين على غياب الأسس القانونية التي تفرض تحقيقا على معاملات الشركات. وقال إن من شأن هذه الممارسات خلق نتائج عكسية تضر باستقرار المشهد الإعلامي في المملكة المتحدة.

وأضاف “ليس لدينا ما نخشاه من هذا التحقيق، ولكننا نعتبره تصرفا مكلفا وغير ضروري. ويمكن أن يؤثر على أي استثمار مستقبلي في هذا المجال وأن يهدد نموه على المدى الطويل”.

وتابع “تلتزم منافذنا الإعلامية بنقل الأخبار وتحترم مبادئ حرية التعبير. يظهر كل ذلك في سجلنا التحريري. نحن نؤيد هذه القيم مما يعكس ثقة القراء فينا. نحن نعلم أهمية هذه الثقة في المناخ السياسي الحالي. وتعكس سياساتنا التحريرية وتقاريرنا هذه المعايير، كما أكدنا للوزير. لا نمتلك أي تعليق آخر في هذه المرحلة”.

وقالت الغارديان البريطانية إن قرار التدخل الحكومي يحمل طابعا سياسيا، إذ يحرر وزير الخزانة السابق جورج أوزبورن صحيفة “إيفننغ ستاندرد”، ويفكر في العودة إلى الساحة السياسية مرة أخرى. بالإضافة إلى ذلك، رفض رئيس الوزراء المحافظ الجديد الذي يمكنه التأثير في اتجاه التحقيق، بوريس جونسون، الإجابة على أسئلة من الغارديان حول حضوره حفلات أقيمت في قلعة ليبيديف الإيطالية.

قال رايت إن الاستثمار السعودي قد يؤثر على أخبار الإندبندنت وإيفننغ ستاندرد، حيث أطلقت صحيفة الاندبندنت سلسلة من المواقع الإلكترونية بلغات أجنبية تحت إدارة صحافيين سعوديين وتستهدف جمهورا محددا من القراء.

وأعادت كل من “إيفننغ ستاندرد” و”الإندبندنت” التأكيد على أن سياساتهما التحريرية لن تتأثر بمواقف داعميهما الماليين. ويحاول محامو ليبيديف إقناع الحكومة بالعدول عن فكرة التحقيق في الاستثمار السعودي لأن الحكومة تجاوزت الموعد النهائي للتدخل. وتقول الحكومة إن قرارها تأخر بسبب ليبيديف والمستثمرين السعوديين الذين رفضوا تقديم معلومات أساسية.

صحيفتا "إيفننغ ستاندرد" و"الإندبندنت" تؤكدان أن سياساتهما التحريرية لن تتأثر مطلقا بمواقف داعميهما الماليين

ويملك أبوالجدايل نصف أسهم الشركتين، ويعود النصف الثاني إلى شركة “وندرز إنفستمنتس” التي يديرها بنك سعودي تابع للدولة. وردا على ما إذا كان أبوالجدايل موظفا في البنك السعودي للاستثمار، ذكر المحامون الذين يمثلون الصحيفتين أن مقالات إخبارية سابقة تجيب على هذا السؤال. وأضاف محامو ليبيديف بأنه كان ينبغي على الحكومة أن تبدأ التحقيق في وقت أبكر لأن الاستثمار ذكر في فايننشال تايمز والغارديان نفسهما.

وطلب وزير الثقافة من الهيئة التنظيمية للاتصالات في المملكة المتحدة (أوفكوم) التحقيق في أي مخاوف تتعلق بالمصلحة العامة وتقديم تقرير بحلول منتصف أغسطس. وكان رجل الأعمال البريطاني من أصل روسي، يفغيني ليبيديف، قد اتخذ قرار إيقاف طبعة “الإندبندنت” الورقية، والاكتفاء بطبعة إلكترونية واحدة، تشمل الصحيفة اليومية والأسبوعية “إندبندنت أون صانداي”، عام 2016 بعد 30 عاما على تأسيسها. في خطوة وصفها كثيرون بأنها تهدد مستقبل الصحافة الورقية حول العالم.

وجاء القرار بعد أن بينت أرقام المبيعات أن الاستمرار في نشر صحيفتي “الإندبندنت” و”إندبندنت أون صانداي” بات صعبا للغاية. إذ بلغت مبيعات الصحيفة اليومية 40718 نسخة مع زيادة 15356 نسخة توزع مجانا أو بتخفيض لشرائها بالجملة، في حين أن مبيعات صحيفة “ذي صن” اليومية مثلا تزيد على مليوني نسخة، وفقا لـ”الغارديان”، التي تضيف أن الصحيفة الأسبوعية كانت تبيع ما متوسطه 42888 نسخة.

وخسائر الناشر خلال السنة المنتهية في سبتمبر 2014 بلغت 4.6 مليون جنيه إسترليني. وحين استملك ليبيديف “الإندبندنت” وشقيقتها الأسبوعية في عام 2010 كانت خسائر الصحيفتين تبلغ 22.6 مليون جنيه إسترليني.

وأشارت “الغارديان” إلى أن ليبيديف كان يبحث عن مشترٍ للصحيفتين، كما فعل في عام 2014. واستثمرت عائلة ليبيديف أكثر من 111 مليون جنيه إسترليني في وسائل الإعلام، التي تملكها في بريطانيا حتى سبتمبر 2014، منها 65 مليون جنيه إسترليني في صحيفة “الاندبندنت” وشقيقتها الأسبوعية.

18