لماذا العبث بمصير السوريين، يا قطر

الجمعة 2014/01/10

تهتكت أستار القاعدة وبدت وحشاً لا يقتل الأبرياء فقط، بل ويقضي على كل بذور الأمل بإصلاح سياسي عربي، واستمرار أو إعادة مسارات التنمية إلى جداولها الطبيعية التي لا تلوثها دماء البشر، بل تنبت حولها زهور العيش الآمن المستقر، والعمل لأجل حياة أكثر جمالا ومجتمعات أكثر استقراراً.

ما فعلته القاعدة عبر موجتها الثالثة “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو ما سمي بـ”داعش” دليل لا يدحض على أن التوجه السياسي للإسلاميين الحركيين يقود في آخر الأمر إلى نهاية طبيعية وهي العنف كوسيلة للتغيير.

كان من المفترض أن تتحرك الثورة السورية ككرة ثلج، تتعاظم يوما بعد يوم وتسقط في طريق حركتها كل خطوط دفاع نظام الأسد القائمة على رفض التغيير السلمي وإظهار المعارضة السورية على أنها حركة عنف وتجمع “زعران” يموله متطرفون يهدفون إلى تقويض العيش والسلم الأهلي في سوريا.

كافح نظام بشار في البحث عن هذه البذور التي تزهر أشواكا، ولم يفته الوقت حتى قدم له الأصوليون الإسلاميون هذه البذور، وأهدوه معها زهورا مليئة بأشواك التطرف وشهوات الدم، فاكتمل مثلث القدر المكون من نظام قاس قاتل، وعصابات متطرفة تدعي الدين، واكتمل المثلث بالتجاهل الدولي لآلام الشعب السوري، وتعززت هذه الآلام بتشريع ما يقوم به النظام خوفا من كيماوياته التي استعملت دون رحمة وقوبلت برحمة دولية تنافي أبسط مبادئ الثواب والعقاب الدوليين.

لكن هذه الصورة السيئة لا يمكن المضي في تفاصيلها دون الإشارة إلى من يقدم، يوما وراء اليوم، كل الجهد لتدمير التوجه الحضاري للمعارضة السورية نحو رص الصفوف والتوجه إلى جنيف بغطاء وطني وثوري متحضر.

يلعب القطريون عبر وزير خارجيتهم وأفراد مخابراتهم المتنوعي الجنسيات دورا يأسف له كل عربي نبيل. وللدلالة على سوء هذا الدور وغرابة مقاصده، نشير إلى جهود وزير خارجية قطر خالد العطية، الذي قضى أياما في اسطنبول يكافح باستماتة لتخريب اجتماعات الائتلاف السورية ولشق الصف الواحد، مستعملا في ذلك، حسب مصادر داخل المعارضة، الحقائب المتنوعة من الأموال السائلة، وهدفه الأساس إفشال انتخاب أحمد الجربا وتعويم مرشحه بدلا منه، وكأن الأمر ينتهي عند من يرأس وليس عند من يقود السفينة.

أمر أثار الغضب السوري، وهو ما بدا واضحا من تصريحات العديد من المعارضين الذين يتطلعون إلى تحقيق وحدة موقفهم وذهابهم إلى جنيف على سبيل التقدم إلى العالم بشكل سلمي، لفرض إرادة الشعب السوري في البحث عن حل يقي سوريا المزيد من العنف والخراب والموت.

يطالب العطية، بكل صفاقة، أعضاء الائتلاف بالاستقالة من التجمع وإعلان رفضهم الذهاب إلى جنيف، دون أن يطرح حلا بديلا أو يقدم شيئا ناجعاً، ولا يقود مسعى كهذا، لو نجح، إلا إلى تكريس الفوضى وإسالة أنهار أخرى من الدماء.

ولكن ما الذي يقف وراء هذا الموقف القطري؟

في حديث مع أحد المسؤولين القطريين قال، إن الأمير تميم لا يعلم عن ما يفعله وزيره شيئا. هل يعقل أن يذهب وزير خارجية إلى بلد ما محملا بحقائب اليوروات ويجتمع مع مسؤولين أتراك، ثم مع معارضين سوريين وينشط نشاطا حثيثا في تخريب تجمع للمعارضة من دون توجيهات من رئيسه وحاكمه؟

من يدير العطية، وهل عضو الكنيست الاسرائيلي السابق من بات يأمر بهذه التحركات نتيجة خوف بلده الأصلي من توقف سيناريو العنف في سوريا، قبل أن يكتمل تدمير البلاد، بل وأيضا قبل أن ينتقل التدمير إلى ما جاور سوريا من دول أخرى تريد لها اسرائيل فوضى غير خلاقة، بل حراقة تدمّر ما تبقى من تآلف سكانها، وتجعل من إسرائيل الدولة الوحيدة التي تتمتع باستقرار في المنطقة، ليجد الفلسطينيون أنفسهم، بعد ذلك، وسط دمار وخراب شاملين لا ينجيهم منهما سوى الموافقة على كل الشروط والإملاءات الاسرائيلية.

إذا كان الأمير لا يعلم ما يفعله وزير خارجيته في اسطنبول وأنقرة فمن ذا الذي يعلم.

المنطق يقول إن العطية لا يمكن أن يتحرك دون غطاء رسمي قطري. وإذا وافقنا على ذلك فلا يمكن أن يتحرك صانع القرار القطري دون غطاء من قوة دولية أو إقليمية ذات نفوذ كبير. وإذا فكرنا في ذلك فمن عساها تكون هذه القوة التي تقف وراء موقف كهذا يريد تعطيل المعارضة السورية وجنيف. قد يقول قائل إنها الولايات المتحدة، وهذا غير منطقي، فوزير خارجيتها كيري بذل كل جهد ممكن من أجل إنجاح جنيف، إذن من ذا الذي يملك مخلبا في الدوحة يحرك به الأمور في قلب القصر الأميري، ويمثل الإرادة الإقليمية التي تعمل حثيثا على جعل العراق وسوريا ومصر والسعودية وغيرها من الدول العربية في مهبّ رياح التطرف والفوضى والدمار.

يعمل الباحثون والخبراء على الإشارة إلى الإرادة الغربية ومصالحها بوصفها الجهة التي تقف وراء الرغبة القاتلة المروّجة للتطرف والحاضنة للتشتت في ربوع الأمة العربية، وينسى هؤلاء أن هناك إرادات أخرى إقليمية منها ما يتمثل في اسرائيل وإيران يضيرها بالضرورة أن يكون العرب أقوياء ومتحدين.

والسؤال المهم هو، لماذا لا تعلن السعودية بدقة ووضوح أن مساعيها لتوحيد المعارضة السورية يتم تخريبها من قبل غرّ في السياسة أرسله معلمه إلى اسطنبول كي يخرب بماله، الذي ورثه من الطبيعة، كل جهود إعادة الزهور الجميلة إلى سفوح قاسيون.

لماذا لا يتم إعلام جميع السعوديين بحقيقة الدور القطري الذي لطالما تمنينا أن يكون مشرفا، ولطالما صُدمنا به، ثم أصبحنا نتعامل معه بشكل طبيعي، كما لو أن الله الذي يرزق رب الأسرة أطفالا أصحاء عاقلين يبتليه، ويمتحنه، بطفل يعشق مصاحبة “الزعران” ويمولهم ويحتضنهم ويسلطهم على عباده المؤمنين بالحياة والتنمية والرخاء، ويجعلهم من أمرهم قانطين.

تمويل قطر للحركات المتطرفة وآخرها فضيحة ضم القطري عبد الرحمن بن عمير النعيمي إلى قائمة ممولي الإرهاب الأميركية، والذي نعلم جيدا أنه يعمل تحت الغطاء الحكومي القطري، تجعلنا مع ما نراه من دعم للإخوان وأذرعهم الإرهابية، نتساءل بصوت عال: لماذا يا قطر؟ هل من يبحث عن بناء دولة قوية وتوفير حياة كريمة لشعبه، يتفرغ لتمويل الفاسدين والإرهابيين والمخربين في الأرض.

هناك فرق بين دول تبني وأخرى تهدم، دول تبني بنايات شاهقة على أرضها، وتهدم ما ارتفع في بلاد الآخرين غارسة سكاكين الغدر في ظهر أمتها بتمويلها للإرهابيين.

سامح الله صانع القرار في قطر، أما خيار أهلها فلهم الله.

________


* كاتب صحفي سعودي

9