لماذا امتنعت الغارديان عن نشر رسوم شارلي إيبدو

الجمعة 2015/01/23
الغارديان استخدمت صورة مصغرة لغلاف شارلي إيبدو مع تنبيه بأن البعض قد يجد الصورة مسيئة

لندن- صحيفة الغارديان واحدة من الصحف البريطانية التي اتخذت قرارا متوازنا في موضوع إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية لشارلي إيبدو الفرنسية، وتبنت خطا معتدلا يلتزم بعدم الإساءة إلى الرموز الدينية.

ارتكزت تغطية صحيفة الغارديان البريطانية، لحادثة الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو والمتجر اليهودي في باريس على قرارين رئيسيين: أولا، عدم استنساخ الصور المسيئة للنبي محمد (ص) التي نشرتها المجلة قبل عمليات القتل، وثانيا، نشر الغلاف الرئيسي الذي صدر بعد ذلك للمجلة، والذي يظهر كذلك صورة كاريكاتورية للنبي محمد.

وجاء في مقال في صحيفة الغارديان، أن كلا القرارين خلق انقساما في آراء القراء، كما سببا انقساما في صفوف فريق عمل الغارديان كذلك.

ولكن من مجموع الـ24 صحفيا الذين أجابوا على رسالة إلكترونية داعية إلى سبر آرائهم في هذا الشأن، اعتبر معظمهم أن الصحيفة حققت التوازن السليم. وقد كانت هذه القضية موضوع العديد من النقاشات الداخلية بين رؤساء التحرير والعاملين بالصحيفة.

وتذكر جانين جيبسون، رئيسة تحرير موقع الغارديان “قضينا، في اليوم الذي تلا عمليات القتل، خمس ساعات كاملة في نقاشات حول حرية التعبير، الرقابة، الأمن، الإرهاب، وعدة مواضيع أخرى متعلقة، سواء في كنف مختلف المجموعات المتفرقة أو مع مختلف الزملاء من خارج قسم التحرير”.

ودارت بعض هذه النقاشات خلال مؤتمر صباحي دام ساعة وحضره ما يقارب 100 عامل بالصحيفة. وآل الاجتماع إلى قرار عدم نشر صور شارلي إيبدو السابقة عن النبي محمد، وهو ما فسرته الصحيفة في مقال افتتاحي نشرته في 9 يناير (وعلى موقعها الرسمي عشية نشر النسخة المطبوعة) يقول: “يكمن لبّ الموضوع في أنّ مساندة حق المجلة، مشروع وحر، في التعبير عن آرائها التحريرية، وهذا لا يعني أبدا أننا نتقاسم هذه الآراء.

جانين جيبسون: يجب أن نفكر في عصر العولمة، بشأن القراء الذين سيرون الطبعة

بلغة أبسط، دفاعك عن حق شخص ما في قول ما يرغب لا يجبرك على إعادة كلماته تلك. طبعا يوجد نوع من التوتر الشديد بين الحق المطلق في حرية التعبير ومعتقدات معظم المسلمين، بما في ذلك أمثال أحمد مرابط، الشرطي الذي لقي حتفه في اعتداء الأربعاء.

ولكن ذلك ليس موضوع خلافنا هنا. يكمن التعارض الحقيقي بين حرية التعبير وفئة صغيرة جدا من الجهاديين القتلة. لسنا مجبرين على تغيير مبادئنا التحريرية للوقوع في الجانب الصحيح من الخلاف”.

لقد كان ذلك قرارا مدروسا في مواجهة التحريض والاستفزاز المنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، والادعاءات بأنّ الغارديان تصرفت بطريقة جبانة.

ومع ذلك، اعتبر إثنان من الصحفيين الذين أجابوا بالبريد الإلكتروني أيضا أنه كان ينبغي أن تنشر الصحيفة رسوم النبي محمد –وقد قمنا فعلا بنشر رسوم أخرى لشارلي إيبدو– تضامنا مع الصحفيين القتلى واتخاذا منا لموقف في مسألة حرية التعبير.

الغارديان كانت محقة في منح نفسها الوقت اللازم للتفكير. قرار الامتناع عن النشر كان متوافقا مع قرارها قبل عقد تقريبا بعدم إعادة طبع الرسوم الدّانماركيّة المثيرة للجدل، وفقا للصحيفة.

وتوضحت أسباب هذا القرار خلال الأيام التالية، فقد تطرّقت الغارديان، منذ عمليات القتل، إلى موضوعين عن الخفايا والفروق الدقيقة بين الثقافات الفرنسية والإسلامية.

وقد كتب كلّ من ناتالي نوغايريد وأوليفيي تونو مقالات حول تقاليد السخرية الفرنسية ومكان شارلي إيبدو في تيار اليسار في فرنسا، مدافعين بشدة عن المجلة كقوّة ثابتة داخل هذا التقليد، لا عنصرية.

كما كانت هناك أيضا مقالات تسعى إلى فصل أعمال الإرهابيين عن الإساءة العميقة التي يشعر بها كثير من المسلمين بشأن هذه الصورة الكاريكاتورية للنبي محمد.

واستخدمت الغارديان صورة مصغرة للغلاف مع تنبيه مفاده أنّ بعض القراء قد يجدون الصورة مسيئة. كما أن نشر الصورة مصغرة قد طرح مسائل تقنية كان من الضروري التغلب عليها لضمان بقائها مصغرة عبر كافة المواقع.

ولا تملك الغارديان –وهي في الواقع صحيفة علمانية– أي تعليمات توجيهية رسمية حول التصوير الكاريكاتوري للنبي محمد.

آلان روسبريدجر: لم نوافق أبدا على ضرورة إظهار التضامن بإعادة نشر الرسوم الهجومية

تحدّث كلّ من ستيف بيل ومارتن روسون عن طرق لرسم الكاريكاتور الذي يشمل على صورة لمحمد، ولكن بعد مناقشات مع المحررين، قررت الغارديان عدم نشرها.

ومع ذلك، لم يكن هناك أي حظر شامل بهذا الشأن. وصرّح أحد الصحفيين، من الذين دعموا قرار الغارديان بعدم نشر الرسوم في السابق، “يتوجّب علينا أن نوضح أنّه، مع مراعاة الفروق الثقافية والدينية، أي تمثيل مرئي للنبي يعتبر إهانة لمعظم المسلمين، إلّا أننا لا نقبل أن يتسبب ذلك في عدم استخدام الصور أو نشرها، لأنه في النهاية، صحيفة الغارديان هي صحيفة علمانية لا تتخذ نفس اتجاه رجال الدين. فلماذا لم يطبق هذا الحكم على الرسوم السابقة؟

واعتبر ألان روسبريدجر، رئيس تحرير الغارديان، أنه عندما حدث إطلاق النار، كان هناك الكثير من الضغوط الخارجية لنشر الرسوم في تضامن مع الرسامين وأيضا لشرح الموقف.

وقال إنه لم يوافق أبدا على ضرورة إظهار التضامن بإعادة نشر الرسوم الهجومية. ورأى أيضا أن من الصعب استخدامها عندما كان يجري استخدامها على منصات مختلفة، حيث لم يكن ممكنا وضعها فعليا في سياقها.

ومع ذلك، عندما نُشر أحدث إصدار لشارلي إيبدو، اختلف الموقف: “كنا قد تجاوزنا مرحلة التضامن، وانتقلنا إلى إبراز كيفية عودة شارلي إيبدو إلى الواجهة بعد تخطّيه لعمليات القتل. أراد لواء التضامن أن يتم نشر معظم الرسوم المسيئة. يجب أن تفكر صحيفة الغارديان، في عصر العولمة، بشأن جمهور القراء الذين سيرون هذه الطبعة ويطالعونها، وبشأن أن الدافع في رؤوسنا قد يكون بعيدا كل البعد عن ما يعتقده الآخرون”.

الكثير من المسلمين، وبعضهم من أصدقاء الصحيفة غضبوا من الغارديان لاستخدامها هذه الصورة. ومع ذلك، فإن لب الجدل يدور حول مدى مناسبة صورة هذا الغلاف وشرعيتها في السياق الإعلامي الحالي.

كما إن إبراز ردة فعل هذه المجلة في أعقاب عمليات القتل هو جزء هام من القصة، وقد اتخذت الغارديان هذه الخطوة بعد دراسة وقياس وضبط نفس. يجب أن تشعر بحرية تامة وألا تتردد في نقل الخبر وسرد القصة بطريقتها الخاصة.
18