لماذا انحاز جمهور المقهى إلى كراوتيا

الربط بين الرياضة والسياسة والتاريخ والمجتمع إلى هذا الحد حول هذه اللعبة إلى وسيلة لتجاذبات كثيرة، غالبيتها خفية، لكن لهذه التجاذبات تأثيرات علنية في وجدان وتصرفات الشعوب.
الجمعة 2018/07/13
رئيسة كرواتيا تشجع منتخب بلادها

كنت أنتظر أن يبلي الفريق الانكليزي أمام كرواتيا، بلاء حسنا كي يصل إلى نهائي كأس العالم. هذه رغبة أو أمنية دفينة تملّكتني قبل المباراة. بعد وقت قليل تغلب عليّ شعور جعلني أميل ناحية تشجيع “الكروات”. أتخلى عن تأييد فريق “الإنكليز” الذي كنت أتوقع وصوله لملاقاة فرنسا، الأحد المقبل، ومشاهدة مباراة رياضية بطعم ثقافي وسياسي.

فوجئت أن جمهور المقهى المكتظ في وسط القاهرة، وكنت أشاهد معه المباراة، ينفعل ويغضب ويتجاوب مع كل هجمة لفريق كرواتيا، كأن منتخب مصر (خرج من الدور الأول بشكل مهين) هو الذي يواجه الفريق الانكليزي. آهات الناس وارتفاع حناجرهم مع كل هجمة لكراوتيا تشعرك أن هناك صلة دم أو وشائج ثقافة تربطه بهذا البلد.

معلوم أن كرواتيا كانت جزءا من يوغسلافيا السـابقة، ثم انفصلت ضمن موجة استقلال الجمهوريات المنضوية تحتها، وحصلت على استقلالها في العام 1991.

بدأ المشهد يكتمل كلما ضاعت فرصة على الفريق الإنكليزي لتسجيل هدف، وساد ارتياح كبير عندما استعاد الفريق الكرواتي لياقته وهجماته وخطورته على مرمى الفريق المنافس. سجل هدف التعادل قبل نهاية الوقت الأصلي للمباراة بنحو عشر دقائق، ما جعل جمهور المقهى يصيح بالهتاف، ورفع بعضهم قمصانا حمراء، شبيهة بقمصان الفريق الكرواتي، للتعبير عن فرحهم بالهدف.

حاولت تفسير سبب امتناع كثيرين عن تشجيع الفريق الإنكليزي، لم أجد مبررا واحدا يكفي، ربما هو الانحياز للضعفاء، تاريخيا وتنمويا وحضاريا وسياسيا، والتعاطف مع المكافحين والموهوبين، أو ربما هو تعبير عن رفض دفين لمن كانوا ذات يوم يحتلون مصر.

علمت من بعض أصدقائي من دول عربية مختلفة، أن هذه الحالة ليست قاصرة على مصر، لأنها ظهرت في دول أخرى، تنتمي لدول العالم الثالث. الرفض والحنين يبدو أنهما تحولا إلى سمة في المنطقة.

سألت من جلس بالقرب من طاولتي في المقهى، عندما وجدته منهمكا وبحماس في تشجيع كرواتيا، وصوته يعلو عند كل هجمة للفريق، فأشعر كأن قلبه سيتوقف من كثرة انفعاله.

الرجل نظر إلي كأنه يستنكر السؤال أو يتعجب من صاحبه، لأن جميع رواد المقهى انحازوا إلى “الكروات”، ولم أجد شخصا واحدا متعاطفا مع الفريق الإنكليزي، فلماذا سألته تحديدا؟

لم يخيب ظني الرجل، وقال “هؤلاء مثلنا مساكين ومظلومون ومجتهدون، وتمكنوا من كسر أنف وعنجهية الإنكليز، الذين أذلونا ذات يوم، عندما مكثوا على صدور المصريين نحو سبعين عاما”.

كانت المفاجأة في همس صديقه الثاني، أنه كان يتمنى أن يستغل الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر علاقته برئيس يوغسلافيا الراحل جوزيف بروس تيتو، ويعلن الوحدة معه، ربما كان من نصيبي العيش في كرواتيا.

هي فكاهة طبعا لكنها لا تخلو من معان حضارية. الصورة الذهنية الإيجابية التي طبعها جمهور كرواتيا جعلت صاحبنا وأمثاله يدور في خلدهم هذا الخيال.

الربط بين الرياضة والسياسة والتاريخ والمجتمع إلى هذا الحد حول هذه اللعبة إلى وسيلة لتجاذبات كثيرة، غالبيتها خفية، لكن لها تأثيرات علنية في وجدان وتصرفات الشعوب.

التقط خيط الحديث صديقهما الثالث الجالس برفقتهما، وقال “لدى كرواتيا رئيسة تعشق بلدها وتشجع فريقها بإخلاص، ولا تتورع في التعبير عن فرحها طربا ورقصا، ليت عندنا رئيسة مثلها، كنا امتلكنا مواهب رياضية كثيرة، وكان عندنا أكثر من مو صلاح”.

تبدو كلمات الرجل عفوية، لكنها كاشفة عن سبب غرام كثير من الساسة بالرياضة، ومحـاولة توظيفهـا لتحقيق أهـداف شخصية، فظهور رئيسة كرواتيا في المدرجات تشجع وترقص وتصافح من جلسوا بجوارها كانت له جاذبية، حولت الصورة إلى قوة ناعمة تؤثر في قطاعات كبيرة من مشجعي كرواتيا والعالم، ومعظمهم لا يعرفون اسمها كاملا.

يحمل تشجيع كرواتيا على حساب إنكلترا وأمثالها، جانبا آخر ظهر في مباريات سابقة، وهو فقدان التعاطف مع الكبار. وبدا ذلك بوضوح عندما خرجت ألمانيا والأرجنتين والبرازيل وإسبانيا والبرتغال بعد هزائمها.

في المقابل، كان هناك ميل ناحية تشجيع بلجيكا وكرواتيا وروسيا والسنغال والمغرب. وهي فرق نظر إليها على أنها تنتمي إلى دول “متخلفة كرويا”، مع ذلك أصبح لها باع طويل في هذه اللعبة، وقدمت أداء مشرفا. خرج من خرج واستمر من استمر، وبقيت عنوانا لمدى ما لحق بها من تقدم في كرة القدم.

صعود نجم بعض الفرق في عالم الكرة، وانخفاض أسهم أخرى، والتواري عن الصفوف الأولى، سمة طبيعية للتغيرات الجارية في العالم، من صعود قوى وهبوط أخرى، لأن مقياس التقدم يقوم على حجم القدرة والكفاءة ومستوى الإتقان الذي يؤدي إلى النجاح.

لم يعد حجز الأماكن يسير بحكم العادة والتاريخ والقوة. التغيرات التي تشهدها الكرة الأرضية، في مجالات مختلفة، تقول إن ثمة تغيرات قادمة وكثيرة لا محالة، قد يعجز العقل على استيعابها، لو أصر على التعامل معها بصورتها التقليدية.

إذا كانت كرواتيا في كرة القدم صعدت إلى هذا المستوى من الإتقان، فتوجد دول أخرى صاعدة في أفريقيا (مثل المغرب والسنغال ونيجيريا)، وفي آسيا (على غرار اليابان وكوريا الجنوبية) ويمكن أن تتبوأ مكانة أكبر في بطولات مقبلة.

المثير في عالم الساحرة المستديرة (كما يقول نقاد الرياضة) طغيان الولع باللعبة الذي يصيب المواطنين، فلم يعد تشجيع الكرة قاصرا على من يعشقونها منذ الصغر، بالممارسة أو بالتشجيع أو حتى بالوراثة، بل انضم إلى قائمة المشجعين جيش طويل، من الشباب والفتيات والسيدات والشيوخ والأطفال، تنتابهم انفعالات وكأنهم في المدرجات.

مشهد أبنـاء لاعبي كـرواتيا وهـم في أرض الملعب عقب الفوز، يجعلك توقن أن المستقبل سوف يكون أشد ولعا بهذه اللعبة. الصور التي تداولتها وسائل الإعـلام ومواقع التواصل الاجتماعي لأبناء اللاعبين وهم يلهون ويمرحـون ويتقاذفون الكـرة كفيلة لأن نتخيل المشهد بعد ثلاث دورات أخرى لكأس العالم. وقتها سوف تتغير انحيازات الجماهير وولاءاتهم ويزدادون شغفا..

9