لماذا تأخرت القطيعة مع التيارات المتطرفة

الاثنين 2017/01/30
لماذا تأخر رسم الحدود مع التطرف

يبدو أن معظم فصائل المعارضة العسكرية السورية حسمت موقفها من جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا)، بعد طول تردّد، رغم أن هذه الجبهة أضرّت بإجماعات السوريين وبثورتهم، وبالتعاطف الدولي معهم، منذ صعودها في المشهد السوري، بأطروحاتها المتطرفة، الدينية والطائفية، وطريقة ممارستها السلطة في المناطق “المحررة”، وانتهاجها العنف لفرض تصوراتها، وبحكم تبعيتها لمنظمة “القاعدة”.

بديهي أن تلك الفصائل تأخّرت في إعلان مثل هكذا موقف، رغم أن الجبهة المذكورة استعدتها، ولعبت دورا كبيرا في إزاحة “الجيش الحر” من المشهد، علما أن هذه الجبهة لم تحسب نفسها يوما على الثورة السورية، ولم تتبنّ أهدافها المتعلقة بالحرية والمواطنة والديمقراطية. مع ذلك فإن حسم هذه الفصائل لموقفها جاء مشوبا بالشبهات، لأن بعضها مازال يتبنى نفس أطروحات الجبهة، ولأن هذا التحول حصل نتيجة ضغوط خارجية، بناء على التوافق التركي ـ الروسي، وبدفع من المفاوضات التي انطلقت في أستانة، أي أنه لم يأت نتيجة قناعة ذاتية من تلك الفصائل بضرر هذه الجبهة، أو نتيجة رؤيتها لمصلحة الشعب السوري، وليس كنتيجة لمراجعتها أفكارها.

التيارات الإسلامية لا تذهب في قطيعتها مع جبهة النصرة إلى حد تفنيد ادعاءاتها التي تتغطى بالدين لفرض هيمنتها وتبرير انتهاجها القسر والإرهاب، مثل الدعوى إلى الجهاد

الجديد أن هذا التحول شمل أيضا، المعارضة السياسية المتمثلة بكيانها الرئيس الائتلاف الوطني، وأنه جاء بعد إصدار مجموعة من رجال الدين، على رأسهم أسامة الرفاعي، رئيس المجلس الإسلامي السوري، بيانا يطالب فيه بالنأي عن الجبهة المذكورة، واعتبار المنضوين في صفوفها “بغاة صائلين معتدين استحلوا الدماء والحرمات.. قتالهم شرعي مبرر”.

هكذا يتبيّن أن التيارات الإسلامية لا تذهب في قطيعتها مع جبهة النصرة إلى حد تفنيد ادعاءاتها التي تتغطى بالدين لفرض هيمنتها وتبرير انتهاجها القسر والإرهاب، مثل الدعوى إلى الجهاد، أو تطبيق الحدود، أو الحكم باسم الشريعة، أو الحاكمية، وغيرها من الأحكام التي تذهب حد تكفير المجتمع، وادعاء احتكار تمثيل الإسلام، والوصاية على المسلمين.

وفي الحقيقة، فإلى جانب المعركة ضد الاستبداد، فإن الصراع على تمثيل الدين، أو على مقاصد الدين، أضحى بمثابة المعركة، التي لا بد منها، على الوعي، في مواجهة الجماعات الإرهابية والتكفيرية المتطرفة، والتي ينبغي خوضها من قبل كل التيارات، وضمنها التيارات الدينية المدنية والمستنيرة، أو المعتدلة، لنزع قناعها الديني، ودحض ادعاءاتها، وتقويض شرعيتها، لا سيما أن نزع صفة الإسلامية عن تلك الجماعات لا يبدو مقنعا، في واقع تقوم به كل جماعة إسلامية بنفي الأخرى، واعتبار نفسها ولية أمر المسلمين، واعتبار ذاتها تمثل صحيح الإسلام. هذه المعركة تتطلب من التيارات الإسلامية المعنية ضرورة التمييز، أولا، بين الدين وضمنه الدين الإسلامي، والسلطة أو الممارسات السياسية أو التي تغطّت به، والتي أسهمت في الترويج لأنماط معينة من الدين.

وثانيا تفكيك العلاقة الملتبسة والمتخيلة بين الدين والحوادث التاريخية، التي شكّلت الدين على النحو السائد الذي بتنا نعرفه به، رغم اختلافه في الكثير من جوانبه، عن الدين كما بدا في صورته أو في مقاصده الأولية؛ بمعنى تحرير الدين من التاريخ وتحرير التاريخ من الدين. ومعلوم أن المشكلة هنا تكمن في أن الأديان لم تعد ذاتها، إذ أن مخيلة البشر أضفت عليها نوعا من الأسطرة، بعد أن أسبغت على الحوادث التاريخية التي أسست لها قدسية، أو مشروعية دينية، مصطنعة بحيث أضحت جزءا من الدين، أو حتى أنها حلت محله؛ لا سيما مع ملاحظتنا تضاؤل مكانة القيم، وبالتالي تدني مكانة المعاملات، لصالح مكانة الطقوس والرموز والشخصيات التاريخية، في أنماط التدين السائدة.

حسم الفصائل لموقفها جاء مشوبا بالشبهات، لأن بعضها مازال يتبنى نفس أطروحات الجبهة، ولأن هذا التحول حصل نتيجة ضغوط خارجية، بناء على التوافق التركي ـ الروسي

ثالثا، يفترض الكف عن ادعاء أن كل جماعة تمثل الإسلام والمسلمين، إذ أن أي جماعة سياسية، دينية أو غير دينية، لا تمثل إلا نفسها والمنضوين في صفوفها، فقط.

رابعا، هذا يتطلب مراجعة فكرة تكفير المجتمع، لأن هذه الفكرة هي الفكرة المؤسسة لجماعات القاعدة وداعش وأخواتهما.

خامسا، هذا يتطلب مراجعة المنطلقات التي عاشت عليها التيارات الإسلامية طوال قرن، ولم تصل بها إلى نتيجة، بل أضرت بها وبمجتمعاتها، وبصورة الإسلام والمسلمين. هذا يعني مراجعة فكرة الخلافة فهي ليست من الدين، والقطع مع فكرة الجهادية لأنها بنت زمنها وبنت عهد الدعوة، كما يعني ذلك ترك فكرة الحاكمية، لأن الله لا يحكم ولأن مجرد هذا تبرير للاستبداد والحكم المطلق، إذ أن فئة من البشر هي التي تحكم. كما مطلوب مراجعة فكرة الحدود لأن هذه ابنة ظرفها، باعتبار أن الإسلام دين يسر ورحمة وعدل. ومن الأجدى أيضا تفهم مسألة الحرية، التي نص عليها القرآن الكريم بقوله “لا إكراه في الدين”، و”من شاء فليؤمن من شاء فليكفر”، إذ ثمة يوم للقيامة والحساب، وأخيرا مطلوب تنزيه الدين عن أغراض السياسة، والاحتكام إلى قيمه، أي إلى العدالة والكرامة والمساواة والحرية.

في الغضون ربما يفيد تذكر تجربة المجتمعات الأوروبية التي استطاعت أن تنهض بأوضاعها بعد مرحلة الحروب الدينية (في القرن 16 – 18)، علما أن هذه لم ينتج عنها نفي الدين، بقدر ما نتج عنها احترام الدين، بحجبه عن دائرة الاستغلال والتلاعب لأغراض السياسة والسلطة؛ وهذا هو معنى العلمانية. يستنتج من ذلك أن ثمة شوطا كبيرا ينبغي قطعه، أيضا، بين القطع مع جبهة النصرة وداعش، لأسباب تتعلق بالمصالح السياسية، وبين القطع معها لأسباب فكرية وأخلاقية.

13