لماذا تأخر ترشح السيسي

الاثنين 2014/02/24

هذا السؤال يشغل بال قطاعات كبيرة في مصر وخارجها، وهناك اجتهادات متعددة للإجابة عليه، بعضها يقول أنه يعيد ترتيب أوراقه قبل الإعلان رسميا عن ترشحه لرئاسة جمهورية مصر، وبعضها ذهب إلى حد تردده في الإقدام على هذه الخطوة، ما يتطلب المزيد من التفكير.

وفي الحالتين تجاهل الجميع أن باب الترشح لم يفتح حتى الآن، وأن قانون الانتخابات الرئاسية المفترض أن تجري بموجبه الانتخابات لم يتم إقراره بعد.

السباق الذي دخلته مبكرا دوائر مختلفة لإعلان تأييدها للمشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، ساهم في البلبلة التي نشاهد مقاطع منها في وسائل إعلام متباينة، حيث يحاول البعض تأكيد ولائه للرجل، أملا في الحصول على قطعة من الكعكة السياسية أو الاقتصادية في المرحلة المقبلة، ويسعى آخرون للتمادي في تأييده لمسح الصورة السلبية التي لصقت بسمعتهم خلال الفترة الماضية، وهناك فئة ليست قليلة تبذل جهودها عن اقتناع بالسيسي، باعتباره رجل المرحلة القادر على مواجهة التحديات التي تواجهها البلاد.

وكل هؤلاء، عن قصد أو بدونه، ساهموا في إثارة اللغط حول عملية ترشحه، حتى بدا كأنه متردد أو لم يحسم أمره أو مجبر على تجرع منصب الرئيس، مع أن الدستور الذي جرى إقراره في يناير الفائت لم يحدد موعدا ملزما لإجراء الانتخابات الرئاسية، وفي هذه الأجواء تصاعدت بورصة الشائعات وأخذت اتجاهات مختلفة، أرخت بظلالها على السؤال أعلاه (لماذا تأخر ترشح عبدالفتاح السيسي؟)، وحاولت جماعة الإخوان المسلمين استثمار الجدل، وتوظيفه في خانة أن المشير يخشى ردود الأفعال السلبية من بعض الدوائر الدولية.

مصادر كثيرة في القاهرة، أكدت تلاشي أي فيتو دولي على ترشح عبدالفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية، ولا توجد ممانعات حقيقية حتى من جانب القوى التي دخلت في مناوشات مع مصر الفترة الماضية، وأبرزها الولايات المتحدة.

ومن يقف عند مضمون التصريحات التي صدرت على لسان مسؤولين وأعضاء في الكونغرس مؤخرا، يتبين حدوث تغير في اللهجة الأميركية، يميل نحو تفهم الدواعي الاستراتيجية لترشح السيسي.

كما أن المشير السيسي نفسه لديه رؤية سياسية وأمنية واسعة لكل التطورات الإقليمية والدولية، لا تنحو للصدام مع القوى العالمية، فقط يريد الحفاظ على المصالح المصرية والسيادة الوطنية، ولا يمانع في تفاهمات تحقق هذه النوعية من الأغراض.

وأضافت المصادر أن الأسابيع الماضية، شهدت جولات وإشارات عدة لتخفيف حدة الضغوط على مصر وتفويت الفرصة على مؤامرات معدة لتفعيلها في المرحلة القادمة، وكانت النتيجة إجمالا إيجابية، وبالتالي ما يتردد عن تقاعس أو تردد هو من قبيل التخمينات السياسية، أو الأمنيات لدى البعض، لكن هذا لا يعني أن هناك تأخرا نسبيا في الإعلان عن الترشح رسميا، وكل الرسائل التي خرجت من جهات مختلفة تدخل في باب الإجتهادات، ولهذا التأخير أسباب موضوعية.

الظروف التي تعيشها مصر مليئة بالأزمات، وقطاع كبير من الناس يراهن على السيسي في حلها، وعندما يدخل القصر لن تقبل منه أعذار، مهما كان حجم المشكلات.

لذلك يحاول التعامل معها مبكرا، عن طريق تشريحها ووضع أسس عملية لتجاوزها، عند مكاشفته للرأي العام، وهو يطرح برنامجه الانتخابي الذي بموجبه سينتخبه الناس، ومهما كانت درجة مشاعر الناس تجاهه، فهي بحاجة لرؤية واضحة وعلمية تعززها، وهو يعكف الآن على وضع تصورات محددة لكثير من القضايا الشائكة، ليتجنب الأخطاء التي وقع فيها بعض المرشحين السابقين، الذين قدموا وعودا براقة بلا مضمون حقيقي.

وفي جعبة السيسي حزمة من المشروعات تقوم على تنمية بعض المناطق الحيوية، في سيناء والصحراء الغربية والحدود الجنوبية مع السودان، وميزتها مزدوجة، فهي ذات أغراض تنموية واستثمارية واعدة، وتنطوي على أهداف تتعلق بحماية الأمن القومي المصري، الذي أصبحت الحدود واحدة من المنغصات الجوهرية، التي تأتي منها رياح السموم، ناهيك عن التمهل في اختيار الفريق المعاون في الحملة الانتخابية، المتوقع ألا تكون سهلة، والفريق الذي سيدخل به القصر الرئاسي لتنفيذ برنامجه، وهو ما يتطلب المزيد من الوقت للتفكير والاختيار، لاسيما أن باب الترشح لم يفتح حتى الآن، ولم يعلن أي مرشح، باستثناء حمدين صباحي، رغبته في الترشح رسميا، بالتالي فالاستعجال غير مبرر.

النقطة الأخرى المهمة، تخص عملية تمويل المشروعات الكبرى التي ستدشن طموحات السيسي في تخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين، فمن السهل أن تعلن عن مشروعات، لكن من الصعب أن تجد مصادر تمويلها، وهي تقوم على شقين، أحدهما قيام دول عربية بالتكفل بالمساهمة المادية حتى تقف على أرجلها (المشروعات)، وقد توصلت القاهرة لتفاهمات بهذا الخصوص مع دول خليجية عدة، اعتمادا على المنافع المتبادلة، والأخرى تشجيع رجال الأعمال المصريين على الخروج من الوادي الضيق إلى الصحراء الرحبة، مع تقديم تسهيلات تعظم الفائدة المرجوة، والمرجح أن يكون هناك إقبال شديد منهم، حتى يضمنوا مكانا لهم تحت شمس الحكم الجديد.

الأخطر، تقديم “روشتة” لتجاوز التحديات الأمنية، وربما تكون أجهزة الجيش والشرطة قطعت شوطا كبيرا للقضاء على عناصر إرهابية في سيناء وغيرها، غير أن العمليات الفردية لا تزال تمثل صداعا وتوترا، وتحتاج إلى رؤية للتعامل معها، حتى تستقر الأوضاع، لأنه بدون الهدوء والاستقرار الأمني سوف تتعثر خطوات كثيرة للقضاء على الأزمات.

وفي التقدير الأخير، تعمّد السيسي تأخير توقيت إعلان ترشحه، لوضع برنامج قابل للتطبيق عمليا، ولتأكيد أن التكهنات التي حددت مواعيد لإعلان ترشحه من خيال أصحابها، وأن قراره من دماغه فقط، وهي رسالة لكل ذي عينين في الداخل والخارج.


كاتب مصري

9