لماذا تتدهور التنمية في الجزائر

الخميس 2016/10/20

تجددت الثلاثاء الماضي الإضرابات التي دعا إليها أعضاء التكتل النقابي المستقل، وأدى ذلك إلى شل المؤسسات الجزائرية، ومن المتوقع أن تتعمق هذه الإضرابات جراء المشكلات الكبرى المادية والمعنوية المتراكمة التي تعاني منها شريحة العمال الجزائريين على مدى سنوات طويلة، سواء تعلق ذلك بضعف المرتبات الشهرية في ظل غلاء المعيشة والعقارات، أو بقضية التقاعد غير المنصف الذي يرخص له بالتقسيط، فضلا عن العائد المالي الهزيل الذي لا يكفي حتى لدفع فواتير الغاز والكهرباء والماء ومصاريف الأبناء والخبز اليومي، علما أن نسبة كبيرة من مرتبات التقاعد لا تتجاوز شهريا 120 دولارا.

ما يؤسف له أن نقابة العمال الجزائريين الرسمية التي تتبع النظام الحاكم تتنزه بعيدا، وكأن وظيفتها هي السكوت على مآسي العمال لكي ترضي أجهزة السلطة في قصر المرادية. هذه الوضعية المزرية لعبت دورا حاسما في تحطيم التنمية الوطنية سواء كانت تتصل بالتكوين والتعليم بكل أنواعه، أو بالصناعات البسيطة المترهلة، أو الزراعة، أو الثقافة والسياحة وغيرها من القطاعات الحساسة. فالشعب الجزائري يدرك أن حصيلة التنمية في عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في المجالات المذكورة لم تحقق أيّ تقدّم يوفر الرفاه الاجتماعي للمواطنين رغم صرف النظام لما لا يقل عن ألف مليار دولار في مدة قصيرة قياسية تقدر بأقل من 17 سنة.

إضافة إلى هذا فإن قرار تجميد ما يسمى بالمشاريع الكبرى، الذي اتخذه النظام الجزائري في الأشهر الماضية بدعوى أن عائدات النفط والغاز تدنّت أسعارها، يعني في الواقع إلصاق التهمة بالذهب الأسود بدلا من النظام الجزائري الفاشل الذي لا يملك ثقافة وعلم تسيير الدولة العصرية. وهنا نتساءل: ما هي هذه المشاريع الكبرى التي يمكن أن يفهم منها الناس أنها مشاريع العصر التي تضمن تحويل الجزائر من دولة متخلفة إلى دولة عصرية؟ وفيم تتمثل هذه المشاريع المدعوة بالكبرى؟

ينبغي التوضيح هنا أن ما يسمى بالمشاريع الكبرى لا تتجاوز فتح البعض من الطرقات المزدوجة باستخدام الشركات الأجنبية والتي تتهدّم بسرعة في هذه المنطقة أو في تلك المنطقة الأخرى لعدم توفرها على أدنى نسبة من الإتقان واستخدام المواد الصالحة في إنجازها، وبناء كمشة من المساكن هنا وهناك من دون أن تستجيب عمليات بنائها لعلم وجماليات المعمار المتطوّر الذي ينبغي أن يستلهم الأبعاد والرمزيات الوطنية الروحية والثقافية، مع الانفتاح على منجزات المعمار العالمي الأكثر جمالية وحداثة. هذه المنازل التي تبنى في الجزائر وتصنف ضمن خانة المشاريع الكبرى ليست إلا “بيوتات” من الحديد والإسمنت والكثير منها يبنى في الأراضي الصالحة للزراعة، كما أنها تفتقد إلى المساحات الخضراء والمصاعد، علما أن هذه المساكن التي ينجزها القطاع العام توزع في بعض الأحيان بشكل مريب.

وفي الحقيقة فإن النظام الجزائري منذ الاستقلال إلى عهد الرئيس بوتفليقة لم يبن ولو مدينة واحدة عبر القطر الجزائري تستحق أن تنطبق عليها مواصفات المدينة العصرية التي يمكن أن تقارن بهذه المدينة أو تلك المدينة في أي بلد متقدم في المعمورة. كيف يمكن التحدث عن وجود مشاريع التنمية الكبرى والجزائر تستورد كل شيء بدءا من الإبرة إلى خرفان العيد والبطاطا والقطار والطائرة. وأكثر من ذلك فإن الشعار المرفوع من طرف السلطات الجزائرية والذي مفاده أن هناك مشاريع الرئيس بوتفليقة الكبرى هو شعار بلا مضمون، لأن فتح ملفات المراحل السابقة على حكمه تكشف لنا أن معظم المشاريع هي من تخطيط مرحلة الشاذلي بن جديد وكان غلافها المالي جاهزا، ولكنها لم تنفذ في عهده، وربما جراء انفجار آلة العنف بعد إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية في عام 1991، والتي أسفرت عن العشرية السوداء المدمرة.

إن مرحلة الرئيس بوتفليقة لم تفعل سوى توظيف الأغلفة المالية المرصودة سابقا من دون حصيلة تضع الجزائر على سكة العصرنة والتحديث. لنأخذ مثالا واحدا من أجل التوضيح وهو مترو الأنفاق الذي وضعت مخططاته منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمان ولم ينجز منه في عهد الرئيس بوتفليقة سوى 8 كيلومترات يتيمة، وبأيدي الأجانب وليس بالخبرة الجزائرية.

على أساس ما تقدم من ملاحظات وأدلة فإن واقع التنمية الوطنية في تدهور مستمر ويمس هذا التدهور المتواصل القطاعات الأساسية التي تعدّ عنوانا كبيرا للاقتصاد الوطني، الأمر الذي أدّى ولا يزال يؤدّي إلى عدم خلق تنمية عصرية منتجة في جميع المجالات الحيوية وذات خصوصية جزائرية وبسبب هذا نشهد الآن الإضرابات والاتكال على الاستيراد والاعتماد الكلي على عائدات النفط والغاز. وهكذا نجد الفلاحة متدهورة والصناعات بدائية، وقطاع الخدمات ميتا، والسياحة لا وجود لها.

أما القدرة الشرائية للمواطنين فهي في أزمة معقدة ومركبة وهي نتيجة لغياب الرفاه الاجتماعي الذي توفره التنمية الحقيقية، والأدهى والأمرّ هو أن تنمية قطاع التعليم الابتدائي والتكميلي والثانوي والمهني والجامعي، الذي هو عماد ورأسمال أيّ تقدم، لا يشهد أي تحسين في البرامج والمناهج والإطارات المكونة، بل إن هذا القطاع يزداد انحطاطا في المستوى اللغوي وفي الأداء المهني والعلمي على نحو مخيف فعلا. أما قطاع الثقافة فلم يعرف بدوره أيّ تقدم أو قفزة نوعية، بل يعامل من طرف السلطات الحاكمة بطريقة لا تتعدّى الفولكلوريات والمهرجانات التي لا أثر لها على الوعي الوطني.

كاتب جزائري

9