لماذا تتمسك شركات التكنولوجيا الأميركية بالمهاجرين

الثلاثاء 2017/02/14
مؤسس فيسبوك لترامب: أميركا دولة مهاجرين

ماذا لو منع ستيف جوبز، العبقري الذي أسس شركة آبل للكمبيوتر، من العيش في الولايات المتحدة الأميركية؟ ماذا لو لم يكن متاحا لوالده السوري الأصل، عبدالفتاح جندلي، وهو من مدينة حمص، السفر إلى الولايات المتحدة بسبب جنسيته السورية؟ ماذا لو واجه الرجل نفس الظروف التي يواجهها الكثير من السوريين، وغيرهم ممن يحملون جنسيات ست دول عربية، في سعيهم للهجرة إلى أميركا اليوم؟

لو خسرت الولايات المتحدة جهود ستيف جوبز لخسرت بالتبعية كل ما أبدعه في حياته القصيرة في مجالات الكمبيوترات الشخصية والرسوم المتحركة والهواتف النقالة، ولخسرت الشركات التي أسسها أو شارك في تأسيسها، وخسرت معها الآلاف من الوظائف والملايين من الأرباح التي تحققها هذه الشركات.

وفي الواقع أن قصة نجاح ابن المهاجر، ستيف جوبز، تتكرر باستمرار في شركات التكنولوجيا الأميركية، إذ تقوم هذه الشركات على جذب أفضل العقول في العالم إلى الولايات المتحدة لتساهم في تفوقها وريادتها لتكنولوجيا المعلومات. ونظرة سريعة على أسماء أبرز مديري هذه الشركات توضح لنا المساهمات البارزة للمهاجرين بها.

وعلى سبيل المثال فإن ساتايا ناديلا، رئيس شركة مايكروسوفت، من مواليد مدينة حيدرآباد في الهند، وكذلك ساندار بيشاي، المدير التنفيذي لشركة غوغل، ولد ودرس بالهند قبل أن يحصل على منحة للدراسة بجامعة ستانفورد الأميركية الشهيرة.

أما سيرغي برين، أحد مؤسسي شركة غوغل ورئيس شركة ألفابيت، فقد ولد في العاصمة الروسية موسكو. وشارك بنفسه في مظاهرات رافضة للحظر الذي يحاول ترامب فرضه على تأشيرات الدخول لمواطني سبع دول شرق أوسطية.

وحسب الأحصاءات التي أوردتها مجلة الإيكونوميست البريطانية فإن أكثر من نصف المشروعات الناشئة في مجال تكنولوجيا المعلومات، والتي تبلغ قيمتها نحو مليار دولار، قام بتأسيسها مهاجرون.

كما أن عددا كبيرا من المهندسين والباحثين الذين يعملون في قطاع تكنولوجيا المعلومات هم من المهاجرين. وأكثر من نصف السكان في أحد الأحياء الراقية في وادي السيليكون، وهو حي كوبرتينو، ولدوا خارج الولايات المتحدة.

ونظرا إلى أن مساهمات المهاجرين تمثل العمود الفقري لشركات تكنولوجيا المعلومات الأميركية، والنبع المستمر للابتكارات والاختراعات في هذا القطاع، فقد أتخذت هذه الشركات موقفا واضحا في رفض الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب، والذي يفرض قيودا على الهجرة واللجوء.

ووقعت أكثر من 30 شركة من شركات التكنولوجيا الأميركية على طلب قانوني يرفض الأمر التنفيذي لترامب على أساس أنه يلحق أضرارا بالغة بأعمالها. ومن بين هذه الشركات آبل ومايكروسوف وفيسبوك وغوغل وأتش بي.

ويعد مثل هذا الموقف غير معتاد من قبل شركات التكنولوجيا الأميركية إذ لا تقوم هذه الشركات عادة بالمعارضة الصريحة لقرارات الرئيس الأميركي، لكنها وجدت أن مصالحها سوف تتضرر بشكل مباشر من أي محاولات لتقييد حريتها في التعاقد مع الموهوبين في مختلف بقاع الأرض.

في الواقع فإن تجربة شركات التكنولوجيا الأميركية تخالف تماما الطرح الذي يقدمه ترامب لجمهوره، خاصة من الطبقات العاملة، والذي يحمل المهاجرين، خاصة من المكسيك وأميركا الجنوبية، مسؤولية البطالة أو صعوبة الحصول على وظائف في بعض القطاعات الصناعية، أو يرجع أزمة عمال الصناعات الأميركية إلى نقل بعض المصانع فروعها إلى خارج الأراضي الأميركية بهدف الاستفادة من انخفاض الأجور.

وفي الواقع فإن التطور التكنولوجي الهائل في العشرين سنة الأخيرة، وعجز الكثير من العمال في قطاعات الصناعة التقليدية عن اللحاق به، هما من أبرز مشكلات هؤلاء العمال. وفي المقابل، قام هذا التطور على أكتاف المهاجرين واستفاد من إبداعاتهم وابتكاراتهم.

وطبيعة نشاط شركات تكنولوجيا المعلومات لا تضطرها إلى استثمار جزء كبير من إيراداتها في السوق الأميركية، إذ أن مقابل كل دولار من الأرباح التي تحققها الشركات في هذا القطاع تعيد استثمار 24 سنتا، وهو معدل منخفض نسبيا مقارنة بقطاعات أخرى تعيد استثمار نحو 50 بالمئة من أرباحها في السوق الأميركية. وبالتالي فإن الكثير من الأموال التي يرغب ترامب في إعادة استثمارها داخل الولايات المتحدة تعود لهذه الشركات. وهي أيضا مسؤولة عن الفوارق الكبيرة في الدخول في المجتمع الأميركي بين من يعملون في قطاعات الصناعات التقليدية ومن يعملون في قطاع تكنولوجيا المعلومات.

ونظرة سريعة على مكاسب أبرز مديري شركات التكنولوجيا توضح تركز الثروات في هذ القطاع. وعلى سبيل المثال تتجاوز ثروة مايك زوكيربرغ، مؤسس فيسبوك، مبلغ 56 مليار دولار، فيما تتجاوز ثروة سيرغي برين، أحد مؤسسسي شركة غوغل، مبلغ 38 مليار دولار، أما بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، فتبلغ ثروته 85 مليار دولار، وذلك حسب ما أوردته مجلة فوربس الأميركية.

ولهذا يمكن القول إن دور شركات التكنولوجيا الأميركية في التراجع الذي شهدته قطاعات الصناعات التقليدية أهم كثيرا من دور العولمة أو الهجرة.

وقد أثبتت تجربة شركات التكنولوجيا أن فتح الأبواب أمام المهاجرين الموهوبين والأكفاء أمر ضروري للتطور والتقدم. ولنا أن نتصور لو منع الروسي سيرغي برين، والهندي ساندار بيشاي من الهجرة إلى أميركا لأن هناك مشكلات بين بلديهما وبين واشنطن! حينها سيكون شكل الحياة على كوكب الأرض مختلفا كثيرا عما هو عليه الآن.

كاتب مصري مقيم في لندن

6