لماذا تدفع مصر إلى تقليص النفوذ الأميركي في المنطقة

الاثنين 2017/12/04

اتفاق الاستعمال المتبادل للقواعد الجوية بين مصر وروسيا هو انعكاس للعقيدة المصرية التقليدية التي ترى في الثنائية القطبية مخرجا لبناء سياسة خارجية تقوم على التوسع. فاعلية دور مصر لا تستطيع التعايش في عالم محكوم بقوة واحدة تملك فيه زمام الأمور بشكل مركزي.

طبيعة التحالف المصري الأميركي مبنية دائما على ديناميكية التناسب الطردي مع صعود النفوذ الروسي وهبوطه. عقيدة السياسة الخارجية التي أسسها جمال عبدالناصر قائمة على “ابتزاز ميكيافيلي” لمحاور القوة الرئيسية في العالم من أجل تحقيق أكبر قدر من المكاسب.

لا يتعايش المصريون فقط مع توازن القوى العالمية، لكنهم يشجعونه أيضا. منح الروس حق استخدام القواعد المصرية يقدم لموسكو عمقا استراتيجيا مضاعفا يساوي، بنظر الأميركيين، الاختراق الذي حققه عبدالناصر عام 1955 عبر صفقة الأسلحة التشيكية، في ما عرف وقتها بكسر احتكار السلاح في المنطقة.

المؤسسة العسكرية هي القوة المحركة لهذه الفلسفة المصرية، وهي الحامي لها. هذه الرؤية تظهر بشكل أكثر وضوحا عند النظر إلى سياسة التسليح المصرية.

عقيدة الجيش المصري مبنية على تراكم شبكة معقدة من منظومات الأسلحة المتناقضة في تكنولوجيا التصنيع وثقافة الاستخدام. الهدف الأساسي من وراء ذلك يكشف العقلية التي تدير السياسات في أعلى قمة الطبقة العسكرية المؤثرة في مصر. الهدف بسيط وهو عدم تقديم الجيش رهينة لأي قوة عالمية قد تؤثر في فلسفة عمله وقدراته القتالية.

ضمان المعونة الأميركية التي يحصل عليها الجيش المصري كل عام، وفقا لبنود اتفاقية السلام مع إسرائيل، جعلت روسيا تراكم أرباحا من صفقات السلاح مع مصر، على مدار عقود، أكبر من المكاسب المادية التي تحققها الولايات المتحدة. المعونة تصل في صورة أسلحة أقل حداثة مما يحتاجه الجيش خوفا من حدوث خلل في موازين القوى بين مصر وإسرائيل. لتعويض ذلك، تنفق مصر بسخاء من أجل الحصول على آخر تكنولوجيا تسليح روسية على الإطلاق. الروس لا يقولون “لا”.

ما تفعله مصر اليوم عمليا، في نظر الأميركيين، هي أنها تمكن روسيا مجانا من منشآت عسكرية ساهمت المعونة الأميركية في تمويلها منذ عام 1979.

هذه العلاقة المتشابكة جعلت مصر تبدو كمن يمشي على الحبل. في وقت التراجع الروسي (السوفييتي سابقا) الولايات المتحدة هي الحليف، لكن دون منحها شيكا على بياض. وقت استعادة روسيا لبعض من نفوذها في المنطقة هو أكثر لحظات صعود مصر وتمددها إقليميا.

نعم، هذا صحيح. صعود فلاديمير بوتين يعني صعودا مقابلا لعبدالفتاح السيسي.

سلوك بوتين إزاء المعارضة السورية لامس، ولو على نطاق أكبر، تصرّف السيسي في مواجهة الإخوان المسلمين. ثمة نزعة تميل إلى الحسم تبدو إحدى الخصائص الطبيعية في شخصية الرئيسين.

رؤية نظامي الحكم لإدارة الإقتصاد تكاد تكون متطابقة. مركزية الإصلاحات وحصر إدارة الموارد في يد دائرة ضيقة يتوسطها الرئيس وضعت إقتصاد البلدين في مكان ما في المنتصف بين الرأسمالية الأميركية، القائمة على تنافسية السوق، ونموذج الصين في “العولمة الاقتصادية المترددة”.

المصريون لا يضيّعون وقتهم في اختيار المسميات على أيّ حال. المهم بالنسبة إليهم أن النموذج الروسي، ومعه الصيني أيضا، ناجحان. متردد أو حاسم، هذا لا يهم كثيرا.

معنى ديناميكية العمل بهذه الطريقة تجنّب الجدل المتشابك وسياسة حشد الأصوات التي يوفرها النموذج الأميركي. ثمة قناعة تهيمن على المؤسسات المصرية بأن البلد ليس جاهزا بعد لهذه المرونة السياسية التي قد تكون كلفتها عالية. “الديمقراطية التعددية لا تصنع التنمية” كما كان يقول عبدالناصر. هذه المقولة تحوّلت إلى دستور الحكم إلى اليوم.

انعكس هذا “الدستور” على تجربة بوتين منذ صعوده إلى الحكم وأنظر إلى النتيجة، ماذا ترى؟ تنمية أليس كذلك؟ هكذا يسوّق الحكم المصري نظريته إلى الناس. حتى شكّل النفوذ الروسي في المنطقة يبدو مثاليّا في مصر.

في نظر صنّاع القرار في القاهرة، بوتين صار شخصا يمكن التعويل عليه. الإصرار على بقاء نظام بشار الأسد في سوريا، والتشابه الكبير بين سمات الحكم في موسكو والقاهرة، القائم على مركزية القرار في يد رجل واحد، جعل منسوب الثقة يزيد على المستوى السياسي بين الجانبين.

في نفس الوقت كان العكس بالضبط هو ما يحدث تجاه الولايات المتحدة. العداء التلقائي للإطاحة بالإخوان المسلمين عام 2013 ثبّت عند المسؤولين المصريين قناعاتهم الراسخة طوال ستة عقود بضرورة عدم الثقة في الولايات المتحدة.

لكن ليست هذه هي المشكلة وحدها. الحكم في مصر كان يستطيع التعايش، كالعادة، مع الموقف العدائي الأميركي إزاء طريقة تعاطيه مع تحوّلات الداخل خصوصا، إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على دورها في المنطقة.

قرار إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بالانسحاب من الشرق الأوسط خلق فراغا كبيرا. القوى الإقليمية الكبرى شعرت بوطأة هذا الفراغ، ولم يكن لديها استعداد لقبوله.

روسيا كانت تراقب كل ذلك عن بعد، قبل أن تقرر التدخل عسكريا في سوريا عام 2015. دوافع الروس يغذّيها الشعور بالإهانة منذ الإطاحة بنظام الحكم الموالي لروسيا في أوكرانيا. وقتها قرّر بوتين تعويض أوكرانيا بالشرق الأوسط.

الأمر لم يتوقف على دول النفوذ الروسي التقليدي فحسب. لأول مرة في تاريخ العلاقات العسكرية الروسية في المنطقة، صرنا نرى صفقات أسلحة ضخمة بين روسيا من جهة، والسعودية وتركيا وقطر من جهة أخرى. الروس طبّقوا في الشرق الأوسط مقولة إن “القوة تكره الفراغ” بنجاح.

في السابق لم يهتم الأميركيون كثيرا ببراغماتية المصريين وتهديداتهم المكررة بالذهاب إلى روسيا. هذه ورقة ضغط كان يراها الأميركيون قليلة القيمة أو غير مؤثرة طالما أن كل ما يستطيع الروس تقديمه للمصريين هو “رحلات التبضع” إلى موسكو لشراء الأسلحة.

اليوم لم يعد الأميركيون قادرين على تحمّل كلفة المدى الذي وصل إليه التوازن الإستراتيجي بينهم وبين الروس في الشرق الأوسط.

وجود طائرات روسية في القواعد الجوية المصرية يخلق مظلة إستراتيجية روسية في مناطق هي حكر على الغرب، متمثلة في الخليج وشمال وشرق أفريقيا. ثمة مشكلة عسكرية أخرى وهي أن الطائرات الأميركية والروسية سيكون عليها العمل، إذا اقتضت الضرورة، في مجال جوي واحد، مرة أخرى.

هذا الواقع موجود فعلا في سوريا. القوات الأميركية والروسية تبذلان جهدا كبيرا لتجنّب أي احتكاك قد يشعل حربا بين الجانبين في أي لحظة. لكن في النهاية سوريا هي نطاق تقليدي لنفوذ روسيا، ووجود القوات الأميركية هناك هو تقويض لتحركات روسيا وسعيها للتحكم في التوازن العسكري في البلد بمفردها. في مصر العكس بالضبط هو ما يحدث، روسيا هي من تحاول هذه المرة تقويض النفوذ الأميركي في أكبر بلد عربي.

اتفاق القواعد المصري الروسي اختصار لمسافة تقطعها الولايات المتحدة بسرعة كبيرة نحو إنهاء نفوذها طواعية في الشرق الأوسط.

كاتب مصري

9