لماذا تذكر أهل الحكم الآن المقاومة والمعارضة العراقيتين

الخميس 2014/08/28

تذكرت القيادات والأحزاب الشيعية العراقية، ومن ضمنها مرشح التحالف الوطني لتشكيل الحكومة الجديدة حيدر العبادي الآن، أن هناك فصائل مقاومة عراقية، وقيادة لحزب البعث، وهيئة لعلماء المسلمين، وشخصية دينية مؤثرة هي العلامة الشيخ عبدالملك السعدي، لابد من الحوار معها والاستماع إلى آرائها والموافقة مسبقاً على مرشحيها لشغل الحقائب الوزارية المخصصة لـ(المكون) السني في الحكومة المقبلة، فبدأت بإرسال موفدين حملوا إليها رسائل فيها تمنيات ولكن بلا ضمانات.

وحسب المعلومات المتداولة في الأوساط السياسية العراقية في العاصمة الأردنية، فإن مدير المخابرات الحكومية في بغداد الفريق زهير الغرباوي، وهو ضابط طيار كان آمرا لقاعدة جوية عسكرية في النظام السابق استقدمه اللواء محمد الشهواني للعمل معه في إنشاء جهاز المخابرات الجديد عقب الاحتلال بإشراف وكالة المخابرات الأميركية الـ(سي آي ايه)، نجح في الاجتماع مع أحد قادة الجيش الإسلامي السابقين، أحمد الدباش وهو ممن أمضوا أربعة أعوام في معتقل (بوكا) الأميركي وأُطلق سراحه في صفقة قيل إنها تتضمن اعتزاله العمل المقاوم ومغادرة العراق، في حين يقول المقربون منه أنه اضطر إلى ترك العراق بعد الإفراج عنه خوفا من بطش المليشيات الشيعية به، فيما يدعي آخرون أن رئيس مجلس النواب الأسبق محمود المشهداني توسط لدى الأميركان وأخرجوه من المعتقل وسهلوا له الانتقال إلى عمّان بعد أن تأكدوا أن الجيش الإسلامي تعرض إلى انتكاسة عام 2007، بفعل الضربات التي وجهت إليه والانشقاقات التي حدثت فيه.

وثبت أيضا أن اجتماع (الغرباوي- دباش) عقد في منزل الأخير في الضاحية الغربية من عمّان، بترتيب من رجل أعمال عراقي من الأنبار، يوصف بالاعتدال ويعُرف بصداقته لشخصيات سياسية شيعية وسنية على حد سواء، رغم أن أحد النواب السابقين، وهو مقرب من الدباش، يؤكد أن الأخير استقبل خلال السنوات الخمس الماضية العديد من الموفدين والوسطاء الحكوميين، ولكنه كان يضع شروطا للتعاون لا تحتملها حكومة نوري المالكي ولا توافق عليها.

ومع أن المعلومات التي تسربت عن اجتماع الغرباوي والدباش تكاد تكون شحيحة، إلا أنه من الواضح أن الاجتماع لم يثمر عن نتائج إيجابية، ويقال بهذا الصدد أن الدباش طلب من مدير المخابرات العراقية أن يبادر رئيس الحكومة المكلف حيدر العبادي إلى إعلان موقف واضح بشأن تعاطيه مع السنة العرب ومطالبهم وخصوصا في ما يتعلق بإطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات، وإرساء التوازن الوطني في الجيش والأجهزة الأمنية، وإيجاد حلول سياسية للأوضاع المتدهورة في المناطق والمحافظات السنية، واختيار وزراء لا تحوم حولهم شبهات فساد لشغل الحقائب المخصصة لـ(المكون السني)، وهي قضايا عدّها الغرباوي سابقة لأوانها، ودعا إلى التعاون أولا مع العبادي باعتباره يمثل التحالف الوطني (الشيعي)، وليس ائتلاف دولة القانون الذي يثير لدى الأطراف السنية حساسيات سياسية متراكمة.

وينقل عن الغرباوي أنه قال: إن العبادي أشجع سياسي شيعي، لأنه الوحيد الذي تصدى للمالكي وخرج عليه، رغم أنه قيادي في حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون، اللذين يقودهما رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، وهو قادر على تنفيذ مطالب السنة العرب الشعبية، وحقوقهم السياسية وفق تفاهمات وحوارات لا تتعارض مع الدستور.

ويقال أيضا في الأوساط العراقية في الأردن، أن الغرباوي أبدى استعداده للقاء عضو القيادة القطرية لحزب البعث السيد عبدالصمد الغريري، الذي كان في زيارة لعمّان عند وصول مدير المخابرات العراقية إليها، غير أن الغريري استبق الوساطات التي كان يتوقع حصوله عليها للقاء المسؤول الحكومي، فقطع زيارته وعاد إلى مقره في أربيل دفعا للشبهات والشائعات معا، وهناك معلومات أيضا عن أن الغرباوي أخفق في زيارة العلامة الشيخ عبدالملك السعدي باعتباره راعي مؤتمر عمّان الأخير للمعارضة العراقية، أو الاجتماع مع الشيخ حارث الضاري بعد أن أدرك سلفاً، أن الاثنين سدا بابهما في وجه المبعوثين الحكوميين الذين حملوا في السابق وعودا وتعهدات، سرعان ما تتلاشى عندما يعودون إلى بغداد.

وقد أثارت زيارة المسؤول الحكومي العراقي إلى عمّان، بقصد التفاهم مع القيادات والأطراف السياسية المعارضة، تساؤلات كثيرة، منها لماذا تم اختيار شخصية عسكرية وأمنية كبيرة لمهمات سياسية؟ ومنها أيضا، هل لديه ضمانات مؤكدة تُلزم العبادي والقيادات الشيعية بتلبية المطالب والحقوق والالتزامات التي قد يحملها عقب انتهاء زيارته؟

الغرباوي أبلغ من سأله مثل هذه الأسئلة وغيرها، أن العبادي والقيادات الشيعية اختارته لأنه غير سياسي وليس له انحياز لهذا الطرف أو ذلك، وهو رئيس جهاز حكومي يعنى بالأنشطة السياسية العراقية وغيرها خارج البلاد، وينسب إليه، وهو في ذروة انفعاله من فشل مهمته، أنه قال: أنا مخوّل بحمل أسماء ثمانية وزراء يرشحهم مؤتمر عمّان إلى تشكيلة الحكومة المقبلة، وعندما قيل له: وماذا عن المساءلة والعدالة والموقف من الكتل النيابية السنية المشاركة في العملية السياسية؟ رد قائلا: هذه قضايا قادرون على تجاوزها وإيجاد معالجات سياسية لها.

هناك مسموعات- مجرد كلام- لا تُعرف إن كانت صحيحة أم شائعات، مفادها أن قيادات ومرجعيات شيعية نافذة ومصادر أميركية وبريطانية ببغداد، نصحت قادة التحالف الوطني، بالسعي إلى استمالة الفصائل السنية المقاومة وقوى المعارضة والتفاهم مع قادتها ومن يمثلونها، على شكل من التعاون السياسي يمهد الطريق لمصالحة وطنية حقيقية، قد تفتح المجال لمشاركة هذه القوى في الحكومات المقبلة، استنادا إلى أنها- أي هذه القوى- بما تملكه من ماض ومواقف سياسية معروفة، ومناطق نفوذ وعشائر موالية لها، وقادة عسكريين سابقين، تكاد تكون القوة الوحيدة القادرة على مواجهة (داعش) في المحافظات السنية، أو على الأقل وقف اندفاعاتها في مرحلة أولى، خصوصا وأن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية ارتكبوا سلسلة أخطاء سياسية متلاحقة، وهم في غمرة نجاحاتهم الساحقة ضد الجيش الحكومي وقوات البيشمركة الكردية، عندما رفضوا وجود فصائل وجماعات وحركات وأحزاب مقاومة ومعارضة في المناطق والمحافظات السنية، ورفعوا شعار “البيعة أو الاعتزال”، ووصل بهم الأمر إلى اعتقال أبرز قيادي بعثي هو سيف المشهداني وثلاثة من رفاقه في محافظة صلاح الدين، دون أن تشفع له سنوات الاعتقال العشر التي قضاها في المعتقلات الأميركية والسجون الحكومية نتيجة صموده وثباته.

والسؤال الذي يطرح نفسه إزاء هذه التحركات هو: من يضمن إرساء مصالحة وطنية حقيقية في العراق، والقوات الحكومية والمليشيات الشيعية ماضية في حربها الطائفية ضد السنة العرب، وآخرها مجزرة مسجد مصعب بن عمير، في حين تتصاعد حملات القتل والقصف بالبراميل المتفجرة على الفلوجة والأنبار وسامراء وتكريت والحويجة وديالى والموصل؟ صحيح أن هذه القوى إذا اجتمعت ربما تنجح في التصدي لـ”داعش” في بعض المناطق السنية، ولكن من يضمن أن القوات والأجهزة الحكومية والمليشياوية ستتوقف عن ضربها؟

قبل أيام هاجم مسلحو “داعش” مدينة الكرمة وقتلوا ثلاثة من المجاهدين فيها، وتصدت عشائر المدينة لهم وأخرجوهم منها، وكانت النتيجة أن الطيران الحكومي وقوات الجيش والمليشيات الشيعية صبت على المدينة نيران مدافعها أكثر من السابق، وما تزال جثة شقيق الشيخ رافع مشحن الجميلي، الذي اختطف من مطار بغداد وتم قتله غدرا، مطروحة في ثلاجات الطب العدلي ببغداد، وترفض الأجهزة الحكومية تسليمها إلا للشيخ رافع والقصد واضح.


كاتب سياسي عراقي

8