لماذا تراجعت المعارضة السياسية في السودان

النظام السوداني نجح في تعرية قوى كثيرة في المعارضة، وعرف قواعد اللعبة الدولية واستفاد من التغيرات التي طرأت عليها، وبعد تزايد مصالح دول كثيرة مع الخرطوم من الطبيعي أن تتأثر المعارضة السياسية في السودان.
الاثنين 2018/03/26
المشي على الحبال الدقيقة لضمان الكرسي

السودان من أكثر الدول العربية حيوية ونشاطا من الناحية السياسية، وأزماته المختلفة وضعته دوما في بؤرة الأحداث، ولا ينضب معين أي كاتب يريد تناول شأن هذا البلد، بل أحيانا يحتار في الاختيار بين قضاياه المتشعبة.

متابعة الشأن السوداني وتعدد الكتابات عنه، جعلت البعض يحسبني سودانيا، ومع انتقاداتي المتباينة لسياسات الخرطوم اعتبرني النظام من المقربين للمعارضة، بينما وضعتني الأخيرة في خانة مؤيدي الرئيس عمر حسن البشير.

أعرف أن الإخوة في السودان بألوانهم وأطيافهم السياسية لديهم حساسية مفرطة لكل من يجرؤ على نكء جروحهم. وتتبنى قواه الحية نهجا صار عرفا دوليا، يقول “من ليس معنا فهو ضدنا”. بالطبع لست من المؤيدين لهذا العرف، لأنه مضاد لصفة الموضوعية التي يتحلى بها كثيرون ولو كره الأصدقاء في السودان.

الأحداث التي يمر بها النظام السوداني، كادت تنسينا دور المعارضة ووضعها على الخارطة السياسية، وهي التي لعبت دورا حيويا في تاريخ البلاد.

الرئيس البشير أصبح قاسما مشتركا في الكثير من الملفات، منها الإرهاب والجماعات الإسلامية المتشددة، وطبيعة العلاقة مع تركيا وقطر، والعلاقة المعقدة مع مصر، والموقف من سد النهضة الإثيوبي، والمماحكات مع إريتريا وجنوب السودان، وصولا إلى رغبته في إعادة هيكلة نظامه وسط حزمة كبيرة من المشكلات السياسية والاقتصادية.

في هذا الخضم تاه الاهتمام بالمعارضة، ولم تعد مؤثرة إلى الدرجة التي تلفت الانتباه، إلى أن عقد مؤتمر تحالف “نداء السودان” في باريس، وأصدر بيانا مؤخرا ينطوي على لهجة حادة باتجاه النظام الحاكم، وقتها بدأ البعض ينتبه مرة أخرى إلى أن هناك معارضة سياسية في السودان.

قصة المعارضة طويلة ومتشابكة، منها فئة عريضة تحمل السلاح، وأخرى ترفع راية الحوار، وثالثة تستخدم السلاح والسياسة معا. هذه مكونات رئيسية تنضوي تحت تحالف “نداء السودان”، الذي يتبنى النهج السياسي في معارضته، ما أثار حفيظة من يرفعون السلاح.

المؤتمر الذي كان متوقعا أن يعيد شمل المعارضة، انخرطت بعض أحزابه وحركاته الرئيسية في تراشقات حول أحقية الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي في تولي رئاسة التحالف، وانشغل آخرون بضرورة إدخال العمل العسكري بالتوازي مع العمل السياسي.

النتيجة التي يخلص إليها المراقب لاجتماعات المعارضة عموما، أنها تندرج تحت بند “إبراء الذمة”. كما أن حوارات النظام معها ينطبق عليها الوصف ذاته. كل طرف لديه هدف يريد تحقيقه. لذلك لم تفلح “خارطة الطريق” التي وضعتها الخرطوم مع المعارضة منذ عامين في تحريك المياه الراكدة.

المعارضة التي لم تستطع طوال السنوات الماضية تنفيذ وعودها بإسقاط النظام الحاكم أو إجباره على الرضوخ لمطالبها حيال الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وتعديل الدستور، لن تتمكن من الضغط عليه لأنها لا تزال متفرقة. كل طرف يملك طروحات معلنة وأخرى خفية.

الوضع الحالي يبدو مريحا لها، ويحقق لبعض قواها معادلة تجنبها الصدام مباشرة مع الخرطوم. معارضة تريد أن تقول إنها موجودة وفاعلة، من خلال المؤتمرات واللقاءات الحزبية، وتوحي بأنها على مسافة قريبة من نبض الشارع السوداني وأزماته، بينما لم تفلح في تحريكه مرة واحدة طوال ثلاثين عاما.

انحناءات ومجابهات البشير لمعارضيه، تتوقف على حجم الضغوط الواقعة عليه، ولا علاقة لها تقريبا بقوة خصومه

الانطباعات المؤثرة للمعارضة تلاشت تقريبا، عندما دخل معظمها في حوارات جانبية مع الخرطوم، وانقسمت الأحزاب التاريخية، وتشرذمت الحركات المجتمعية. ما بقي حتى الآن لا يتجاوز حدود أسماء لشخصيات تأبى أن تبتعد عنها الأضواء.

النظام السوداني، نجح في النفاذ إلى غالبية أحزاب المعارضة، وسيطر على بعضها عبر تقديم إغراءات سياسية ومادية، ويتعامل مع الحركات المسلحة باللين أحيانا والقسوة في معظم الأحيان، لأن الانتفاضة الإنسانية التي بدا عليها المجتمع الدولي مع أزمة دارفور قبل عشر سنوات، انتهت مع تحقيق أغراضها السياسية.

الرئيس البشير، أدمن المشي على الحبال الدقيقة. تجده قريبا من المعارضة عندما تكون هناك ضرورة، وبعيدا عنها إذا وجد أنها عارية من أي غطاء إقليمي أو دولي. ينحني للعواصف القادمة من دارفور أو كردفان وبحر الغزال، إذا وجد أن خسائره العسكرية تتعاظم، وتتكاتف عليه بعض القوى الخارجية لتحقيق أهداف سياسية معينة.

انحناءات ومجابهات البشير لمعارضيه، تتوقف على حجم الضغوط الواقعة عليه، ولا علاقة لها تقريبا بقوة خصومه. الطرفان يريدان الإبقاء على معادلة اللا سلم واللا حرب، لأنها الوحيدة التي تضمن البقاء. المواجهة المفتوحة من الصعوبة تحمل تكاليفها. والنصر الحاسم مستحيل حدوثه، لأن توازن الضعف الراهن يحول دون الوصول إليه.

عندما اشتعلت المظاهرات في الشارع السوداني خلال الأشهر الماضية، لأسباب اقتصادية، حاولت المعارضة القفز عليها، وتوجيهها إلى ناحية سياسية، لكنها فشلت، لأن المعارضة نفسها أصبحت غائبة عن الشارع، ومنهمكة في حسابات ضيقة.

لم يعد النظام السوداني يخشى المعارضين من خارجه، ويعلم أن هذا الفريق فقد مصداقيته، وأخفق في أوج قوته السياسية والعسكرية في هز أركان النظام الذي ترك، متعمدا، هامشا للحركة أمامهم، لينال منهم عندما يتجاوزون الخطوط الحمراء، ولم يعدم أدوات العصف المادي والمعنوي.

الخوف الكبير يأتي من معارضين داخل النظام الحاكم. يعرفون دهاليز الحكم وخفاياه. يملكون معلومات عن نقاط القوة والضعف. مستنفرون لأن لديهم هواجس من الغدر بهم في أي لحظة. وبدأ الرئيس البشير عملية تغيير واسعة، طالت الكثير منهم في المؤسسات: الحزبية (المؤتمر الوطني) والعسكرية والشرطية والتنفيذية.

السياسة التي يجري اتباعها تقوم على التخلص من معارضي استمرار البشير لفترة رئاسية جديدة، والحد من نفوذ القيادات الداعمة للمزيد من تمدد الحركة الإسلامية، وتمكن النظام من تسجيل مجموعة من النقاط في مرمى هؤلاء.

مسألة حسم الجولة النهائية سوف تظل غير معلنة، ليس لأن البشير لا يستطيع التخلص منهم تماما، لكنه يريد بقاء عدد من هؤلاء على يمينه لطمأنة الجناح المتمسك بثوابت الحركة الإسلامية، وهو جناح عريض وتقوم عليه مفاصل في النظام الحاكم. وهؤلاء يمكن استخدامهم كرأس حربة في المزيد من التقارب مع تركيا وقطر، وكفزاعة للحد من الاندفاع نحو مصر والسعودية.

تراجع المعارضة يبدو جزءا من تراجع عام أصاب قوى معارضة كثيرة في المنطقة العربية، عقب تعدد إخفاقاتها، وتزايد القبضة الحديدية لدى الأنظمة التي لم تعد على قناعة بفكرة وجود معارضة، ولو على سبيل الديكور السياسي.

الضربة القوية جاءت لهؤلاء من عدم اكتراث القوى الدولية بهم، وقلة التفاعل مع ما يتعرضون له من محن. وانتهى زمن كان اعتقال معارض في السودان تنتفض له منظمات المجتمع المدني في العالم، ولا تهدأ إلا بعد الإفراج عنه.

النظام السوداني نجح في تعرية قوى كثيرة في المعارضة، وعرف قواعد اللعبة الدولية واستفاد من التغيرات التي طرأت عليها، ولم يعبأ بصراخ الداخل، وبعد تزايد مصالح دول كثيرة مع الخرطوم من الطبيعي أن تتأثر المعارضة السياسية في السودان.

9