لماذا ترامب؟

أنا شخصيا لا أتحدث عن ترامب ولا يروق لي ازدراؤه أو الضحك عليه. فهناك شيء بليد ومتهالك في السخرية من ترامب.
الثلاثاء 2018/07/31
لعل ترامب له معنى

الإنسان كائن وقح. الإنسان مخلوق مدع ويظن نفسه مسؤولا عن العالم وعن الكون نفسه بمجرد أنه موجود فيه.

ينظر إلى هذا الكون الرحيب فيرى آفاقا وأرجاء هو مسؤول عنها وعن صيانتها ويتدخل في وجودها ومآلاتها بما يرضي ذوقه هو. هذا حيوان سينقرض وذاك طائر سيزدهر وهو المسؤول عن الاندحار والازدهار وكأن الأرض لم توجد ولم تتنفس ولم تعش دونه.

ويدعي كتاب ومفكرون أذكياء أن الكون يطالبهم بتفسير الحياة ومغزى وجود الأشياء. لكن الكون ليس ملزما بتفسير نفسه ولا بتبرير موجوداته سواء قبل الإنسان أو اعترض. هذا هو الرائع مارك توين يكتب مطولة ذكية يحاول فيها أن يجد تبريرا واحدا لوجود الذبابة، ولا يفلح. فيعود منكسرا معترفا بأن الكون قد هزمه.

الآن البشرية منشغلة بمحاولة تفسير ما يبدو بلا تفسير؛ إذ ظهرت على سطح الكوكب وبشكل ناتئ وبارز شخصية لا تحتمل تفسيرا منطقيا بوجودها. ذلك هو رئيس جمهورية الولايات المتحدة دونالد ترامب. صار الرجل حديث الناس وموضوع تخميناتهم.

لماذا شعره برتقالي؟ لماذا يقدح ويمدح الشخص نفسه في جملة واحدة؟ ولماذا يعد بالسلام ويتوعد بالحروب بنفس النفس؟

المشكلة في هذا التفكير تكمن في كوننا نريد أن تكون للأشياء معان وتسويغات تناسب عقلنا في حالته الحالية. ونحن أيضا مقتنعون بأن على الكون والموجودات أن يفسرا نفسيهما لنا باعتبارنا مسؤولين بموجب وجودنا على سطح الأرض.

أنا شخصيا لا أتحدث عن ترامب ولا يروق لي ازدراؤه أو الضحك عليه. فهناك شيء بليد ومتهالك في السخرية من ترامب.

هو مخلوق لا يخلو من شيء يسير من غرابة الأطوار وشيء كثير من الحماقة. وهذا موجود بكثرة.

صارت الألسن تلوك سيرته بابتذال مثل تلميذ مشاكس معنا في المدرسة نروي عنه حكايات، وحين تنقصنا الحكايات نلجأ إلى التأليف والكذب. هنا الابتذال شائع ورخيص. فالأفضل أن ندع الرجل وشأنه فالقدح فيه رخيص ولا يليق.

ونلاحظ أيضا أن الإنسان محدود بما يعرف، وما لا نجد له تفسيرا قد يكون له تفسير غائب عن مداركنا الحالية، فالإنسان آني بطبعه.

أذكر أني رأيت أستاذ تاريخ علوم من جامعة أوكسفورد يقول إن الإنسان ظل قرونا يعتقد أن أرجل العنكبوت ترتفع أولا ثم تنخفض إلى الأرض بشيء من الإسراف الذي لا معنى له. ظل يظن أن الطبيعة خرقاء إلى أن اكتشف قاعدة التعليق suspension ليكون الجسم مستقرا. فالطبيعة لم تكن خرقاء إذن. ولعل ترامب له معنى.

24