لماذا ترفض واشنطن ملاحقة إسرائيل بجرائم حرب في غزة

العقبات القانونية للتحقيق في أحداث عام 2014 أكبر من التأثير السياسي على أعضاء المحكمة الجنائية الدولية.
الجمعة 2021/03/05
المعركة القانونية سلاح الفلسطينيين لمعاقبة إسرائيل

قوبل إعلان المحكمة الجنائية الدولية أنها ستفتح تحقيقا رسميا في "جرائم حرب" ارتكبتها كل من إسرائيل وحماس في قطاع غزة قبل ست سنوات، باعتبار أن الأراضي الفلسطينية ضمن اختصاصها القضائي، بانتقادات واسعة من بعض القوى في مقدمتها الولايات المتحدة. وهذا ما دفع المحللين إلى البحث عما يقف وراء مثل هذا الموقف على الرغم من أن أيّ تحقيق من هذا النوع سيواجه عقبات قانونية معقدة أصعب بكثير من محاولات التأثير على أعضاء المحكمة لوأد القرار.

واشنطن/القدس - خاضت السلطة الفلسطينية في سبيل الوصول إلى قرار المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق رسمي ضد إسرائيل في جرائم ضد الإنسانية بقطاع غزة معارك شرسة على كافة الجبهات، لكن المراقبين يعتقدون أن المعارك القادمة ستكون أكثر حدة نظرا إلى ما ستواجهه من عوائق سياسية وقانونية.

ويحاول المتابعون فهم ما إذا كان القرار ذا أبعاد رمزية فقط لصالح الفلسطينيين لكسب نقاط في قضيتهم أم أنه سيكون له تأثير فعلي بحق مسؤولين إسرائيليين، رغم أن خبراء في القانون يرون أن التأثيرات العملية على الإسرائيليين ستكون حقيقية هذه المرة.

واللافت في الأمر هو استماتة إدارة الرئيس جو بايدن في معارضة إجراء مثل هذا التحقيق مع أن ثمة خلافات عميقة حول بعض الملفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط مع إسرائيل. فقد قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس “لدينا مخاوف خطيرة بشأن محاولة المحكمة الجنائية الدولية ممارسة سلطتها القضائية على إسرائيل”.

إصرار الجنائية الدولية

 

بلقيس جراح: على الدول الأعضاء في المحكمة حمايتها من أي ضغوط سياسية

أطلقت الجنائية الدولية تحقيقا أوليا في 2015 بعد ادعاءات فلسطينية بحصول “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية” على خلفية العملية التي أُطلق عليها “الجرف الصامد” في غزة والتي أودت بحياة 2200 فلسطيني منهم 1500 مدني، وأسفرت عن سقوط 73 قتيلا في الجانب الإسرائيلي، بينهم 67 جنديا.

وخلص التحقيق الذي أجراه مكتب المدعية العامة للمحكمة فاتو بنسودا، التي تنتهي ولايتها في منتصف يونيو المقبل وسيخلفها البريطاني كريم خان الذي ترأس سابقا فريق التحقيق الأممي الخاص بجرائم تنظيم داعش في العراق، على مدى خمس سنوات بشأن الأراضي الفلسطينية إلى وجود أسس منطقية للاعتقاد بأن إسرائيل متورطة في “جرائم حرب”.

ويشير التدقيق في الكثير من حيثياته إلى أن القوات الإسرائيلية ارتكبت جرائم حرب خلال الأعمال القتالية في قطاع غزة في عام 2014، شملت هجمات غير متناسبة والقتل العمد. وفي إطار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية ارتكب أفراد من السلطات الإسرائيلية “جرائم حرب” بسماحهم للمستوطنين بالعيش هناك.

ويذكر التحقيق أيضا أن القوات الإسرائيلية (القوة القاتلة وغير القاتلة) استهدفت المتظاهرين الفلسطينيين في مارس 2018 قرب السور الحدودي بين قطاع غزة وإسرائيل مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص وإصابة آلاف آخرين.

لكن إسرائيل ليست وحدها متهمة بذلك، فحركة حماس الإسلامية التي سيطرت على غزة في عام 2007 ارتكبت هي وجماعات فلسطينية مسلحة أخرى هجمات متعمدة على المدنيين، وأعمال قتل عمد وتعذيب في القطاع في الفترة ذاتها منذ 2014.

تمثل المحكمة الجنائية الدولية الملاذ الأخير بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين انضموا إليها كعضو قبل نحو ست سنوات، بعد أن عجزوا عن إقناع مجلس الأمن بمطالبهم المشروعة وفق مبدأ المساواة مع إسرائيل.

وتعمل المحكمة استنادا إلى اتفاقية روما التي دخلت حيّز التنفيذ في الأول من يوليو 2002، وصادقت عليها حتى الآن 123 دولة، فيما يمكن للمدعي العام فيها إطلاق تحقيقاته الخاصة دون الحصول على إذن من قضاة، شرط أن تكون إحدى الدول الموقّعة معنية بها، حيث ينطبق هذا الأمر على أفغانستان مثلا.

وتقول بلقيس جراح المديرة المساعدة للعدالة الدولية في منظمة هيومن رايتس ووتش إن “على الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية أن تقف على أهبة الاستعداد للدفاع بشدة عن عمل المحكمة وحمايته من أي ضغوط سياسية”.

وبالإضافة إلى رمزيته بالنسبة إلى الفلسطينيين يرى مراقبون سياسيون أن التحقيق سيكون له تأثير فعلي يؤدي إلى ملاحقة مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين، خصوصا أثناء تنقلهم خارج إسرائيل.

وثمة أدلة على ذلك؛ ففي 2009 ألغت وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني زيارة كانت مقررة إلى لندن بعد تبليغها بمذكرة توقيف أصدرها بحقها القضاء البريطاني استنادا لشكوى مقدمة بحقها على خلفية عملية عسكرية ضد غزة عام 2008.

التبرير وازدواجية المعايير

Thumbnail

نظريا إذا صدر قرار يقضي بملاحقة المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين فإنه على الدول الموقعة على اتفاق روما لإنشاء المحكمة، ومقرها لاهاي، أن تسلم أي مطلوب تواجد على أراضيها، وذلك بالرغم من عدم اعتراف إسرائيل بهذا الكيان.

ورغم أن الكثير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تدعم المحكمة فإن قوى كبرى أخرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وإسرائيل ليست عضوا فيها، وترى أنه يمكن استغلالها في محاكمات ذات دوافع سياسية.

ولم تصادق واشنطن على معاهدة روما في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، وبدلا من ذلك ذهبت إدارته إلى سنّ قانون حماية أفراد الأجهزة الأميركية الذي يجيز استخدام أي سبل ضرورية لتحرير أي فرد تحتجزه المحكمة الجنائية الدولية.

ولم تكن العلاقات بين المحكمة وواشنطن جيدة، ذلك أن الإدارات الأميركية السابقة كانت ترفض على الدوام الانضمام إليها، وعقدت اتفاقات ثنائية مع العديد من الدول لتجنّب اقتياد أميركيين أمامها للتحقيق معهم، حتى أن الرئيس السابق دونالد ترامب قرر تسليط عقوبات على بعض قضاة الجنائية الدولية من بينهم بنسودا.

وفي يونيو الماضي أصدر ترامب أمرا تنفيذيا يقضي بفرض عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية التحقيق في “جرائم حرب مزعومة” ارتكبت في أفغانستان، دون الحصول على موافقة واشنطن.

ولذلك تدرك المحكمة أنها ستتعرض إلى مضايقات شديدة من طرف الولايات المتحدة وإسرائيل لوأد أي محاولة منها تؤدي إلى معرفة الحقائق حول ما حصل في غزة، والتي تورطت فيها القوات الإسرائيلية وحركة حماس بقتل المدنيين.

ولم تنتظر المحكمة طويلا حتى تعرف الرد، فقد هاجمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء الماضي قائلا إن قرارها “سخيف ومعاد للسامية وقمة النفاق” واتهمها “بغض الطرف عن إيران وسوريا ودول أخرى ترتكب جرائم حرب حقيقية”.

وكتب نتنياهو على حسابه في موقع تويتر “في مواجهة قرار المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي هناك رد واحد فقط: هو القتال من أجل الحقيقة بكل ما أوتينا من قوة في أنحاء العالم ومن أجل حماية جنودنا”.

المثير للاهتمام أن واشنطن تقول إن لديها مخاوف خطيرة بشأن محاولة المحكمة الجنائية الدولية ممارسة سلطتها القضائية على إسرائيل. وهذا يبدو أمرا ملتبسا لدى البعض لاسيما وأن هذين الحليفين لديهما وجهات نظر متباينة حول قضايا مهمة في الشرق الأوسط من بينها النووي الإيراني.

ورغم عدم عضوية الولايات المتحدة وإسرائيل في نظام المحكمة إلا أن تأثيرهما السياسي على الدول الأعضاء فيها سيقف حجر عثرة أمام تحريك الدعاوى الفلسطينية ضد إسرائيل، كما ستشكل نصوص ميثاق روما نفسها عائقا لا يقل شراسة.

فمنذ دخولها حيز العمل قبل حوالي 19 عاما أثارت المحكمة الجنائية الدولية الشكوك حول مصداقيتها وحركت مشاعر القلق من أن تكون صورة عن المحاكمات الخاصة المسيسة، التي كانت حاضرة بقوة قبل عقود من الزمن.

وهذه المحكمة متهمة اليوم بأنها أداة سياسية بثوب قانوني، لا تختلف كثيرا عن مجلس الأمن الذي تُحقق من خلاله القوى العظمى مصالحها على حساب الدول الضعيفة.

6