لماذا تستميت النهضة في الدفاع عن نظام الحكم في تونس

عين الحركة على الانتخابات البرلمانية القادمة.
الجمعة 2021/01/15
الشارع التونسي مل سياسات النهضة

تزامنا مع احتفال التونسيين بالذكرى العاشرة لثورة يناير، أبدى زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي تمسكه بنظام الحكم في البلد متجاهلا دعوات سابقة لتعديله، في خطوة تكشف رغبة الحركة في حماية نفوذها ومساعيها لتحقيق مكاسب جديدة في الانتخابات البرلمانية القادمة، حيث يتيح لها هذا النظام أن تبقى رقما وازنا في المشهد.

تونس – جددت حركة النهضة قائدة الائتلاف الحكومي في تونس تمسكها بنظام الحكم على الرغم مما يتعرض له هذا النظام (وهو “برلماني معدل”) من انتقادات حادة لما نتج عنه من صراعات حزبية زادت من تعقيد الأوضاع في البلاد.

واستغل زعيم الحركة راشد الغنوشي الاحتفالات بثورة يناير -والتي تصادف الرابع عشر من يناير لكل سنة- ليجدد دفاعه عن النظام السياسي الذي يمنح الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية الحق في تشكيل الحكومة، ما يكشف مساعي الحركة للحفاظ على موقعها في المشهد السياسي كحزب وازن يمسك بدواليب الحكم.

ورغم إقراره بوجود “صراع عنيف بين النظام البرلماني والرئاسي في تونس”، اعتبر الغنوشي أن “المشكلة اليوم ليست في فتح نقاش حول النظام السياسي وإنما في عدم انتهاج نظام برلماني كامل”.

وبرر الغنوشي توجس النخبة السياسية من الحكم المحلي بـ”الموازنة الضعيفة المرصودة له”، مستنكرا مساعي بعض الأطراف للعودة إلى الجدال حول طبيعة النظام في تونس، حسب تعبيره.

ويرى متابعون أن النهضة تستميت في الدفاع عن النظام السياسي لما يوفره لها من مساحة نفوذ واسعة، ففي حال الذهاب إلى تعديله بمنح رئيس البلاد صلاحيات أوسع تماشيا مع دعوات سابقة قد تجد نفسها خارج منظومة الحكم.

وسبق أن طالبت أوساط سياسية بتعديل النظام السياسي محملة إياه مسؤولية الأزمات التي تعصف بالبلاد والتي زادت حدتها مع احتدام الصراع على الصلاحيات بين رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية.

ولئن اتفق أغلب الناقدين لهذا النظام البرلماني – الرئاسي على ضرورة تغييره ومعالجته، وخاصة أنه تأسس في فترة انتقالية لها خصوصيتها واتسمت بالفوضى والاضطراب والتقلبات، فإن النهضة التي يشهد نفوذها تراجعا في ظل ما تعانيه من انشقاقات داخلية، كما تراجعت شعبيا حسب استطلاعات الرأي المحلية، تجد فيه فرصة لتمرير أجندتها في الحكم عبر تمرير قوانين على المقاس مجاراة لمصالحها.

أحمد نجيب الشابي: النظام السياسي يجب أن يتغير في اتجاه وحدة السلطة التنفيذية
أحمد نجيب الشابي: النظام السياسي يجب أن يتغير في اتجاه وحدة السلطة التنفيذية

ويجمع المتابعون على أن النظام البرلماني يتيح للأحزاب القوية أن تبقى في صدارة المشهد، فيما يحرمها النظام الرئاسي من ذلك.

وأشار أحمد نجيب الشابي السياسي البارز، لـ”العرب”، إلى أن “النظام الحالي يسمح لحركة النهضة بالسيطرة على الحكومة وتوسيع صلاحيات رئيس الحكومة، في حين يقلص من صلاحيات الرئيس”.

وتابع الشابي أن “النهضة تعي أنها حتى لو تحصلت على نسبة 50.1 بالمئة في الانتخابات الرئاسية ليس بوسع شخصية من الحركة أن تصل إلى كرسي الرئاسة، وهو من أسباب دفاع الحركة عن هذا النظام الذي منحها الهيمنة منذ تشكيل المجلس التأسيسي (2011 – 2014)”.

وحسب رأيه فإن السلطة التنفيذية يجب أن تكون موحدة إما في يد رئيس الجمهورية أو في يد رئيس الحكومة، وباعتبار أن “الرئيس منتخب من الشعب فله شرعية عظمى تتجاوز كل شرعية أخرى، وهو مهيأ لأن يكون الرئيس الفعلي والوحيد للسلطة التنفيذية”.

وأضاف “السلطة التنفيذية يجب أن تكون في يد رئيس الدولة، أما البرلمان فله دوره الرقابي والتشريعي”.

وأبدى الشابي تأييدا لدعوات النظام الذي “أفضى باستمرار إلى انقسام السلطة التنفيذية، كما شل تحركات الرئيس بسبب الصلاحيات الواسعة لرئيس الحكومة”، مستحضرا تجارب الحكم الأخيرة في أعقاب ثورة يناير وما شابها من صراعات.

ويحد النظام البرلماني الذي أقره دستور 2014 من هيمنة رئيس الجمهورية على الدولة. وتتوزع السلطة السياسية، وفق النظام السياسي الجديد، على ثلاث مؤسسات، هي مجلس نواب الشعب وهو البرلمان المنتخب مباشرة من الشعب، ورئيس الجمهورية المنتخب أيضا مباشرة، إضافة إلى حكومة يمنحها البرلمان الثقة.

ويختص رئيس الجمهورية بتمثيل الدولة وضبط السياسات العامّة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي، ويقوم بالتعيينات في الوظائف العسكرية والدبلوماسية وتلك المتعلقة بالأمن القومي، وله الحق في حلّ البرلمان خلال بعض الأزمات. أمّا رئيس الحكومة فيعيّن الوزراء ويعفيهم من مهامهم ويختص بضبط السياسة العامة للدولة وإصدار الأوامر، إلى جانب إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة والقيام بالتعيينات في الوظائف المدنية العليا.

ويشير المتابعون إلى أن النظام البرلماني حقق تجارب ناجحة في دول أخرى. غير أنه اصطدم في تونس التي تشهد مخاضا انتقاليا صعبا، بمعارك حزبية ضارية، خاصة مع إصرار النهضة على التفرد بالحكم وبسط هيمنتها.

ولفت هشام العجبوني النائب عن الكتلة الديمقراطية، في حديثه لـ”العرب”، إلى أن “حركة النهضة من أشد المدافعين عن النظام البرلماني لأن النظام الرئاسي لا يسمح لها بأن تكون على رأس أجهزة الدولة”.

وبرر رفض النهضة المستمر لدعوات تعديل النظام بأنه “نظام قائم على الأحزاب والكتل القوية، فيما يحد من نفوذ الرئيس”، مشيرا إلى أن “رئيس البرلمان يتصرف وكأنه رئيس الجمهورية”.

هشام العجبوني: رئيس البرلمان يتصرف وكأنه رئيس الجمهورية
هشام العجبوني: رئيس البرلمان يتصرف وكأنه رئيس الجمهورية

واستبعد العجبوني الذهاب إلى تعديله في ظل صعوبة التوصل إلى توافقات. وأوضح بالقول “تعديل النظام السياسي يقتضي تعديل الدستور، وتعديل الدستور يقتضي تأييد ثلثي النواب، وهذا صعب لأن المشهد مشتت جدا”. ورأى أن “الحل يكمن في مراجعة المنظومة الانتخابية ككل”.

وتتوجس النهضة من أي تغيير للنظام قد يجعلها خارج معادلة الحكم، خاصة مع تزايد الانتقادات لأدائها ووسط عجز الغنوشي عن تطويق الخلافات داخل البرلمان، والتي بلغت مستويات غير مسبوقة في ظل ترويج الأحزاب المحافظة -مثل “ائتلاف الكرامة”- لخطاب الكراهية والعنف.

وتراهن الحركة على النظام الحالي الذي يسمح لها بتحقيق مكاسب انتخابية، وسط مخاوف من أن تزيد الأزمةُ السياسيةُ عزلتَها التي أسهمت في تراجع شعبتها.

وبيّن المحلل السياسي فريد العليبي لـ”العرب” أن “ما يجعل الغنوشي يدافع عن النظام هو موقعه الحالي كرئيس للبرلمان وخوفه من أي تغيير في اتجاه النظام الرئاسي”.

وأوضح أن “تجربة النهضة مع الانتخابات الرئاسية خيبت أمله، كما أن استطلاعات الرأي لا تمنحه أي أمل في الاستحقاق الرئاسي القادم أيضا. ومن هنا سعى إلى تعزيز سلطة البرلمان طالما يعتقد أن حزبه سيظل القوة البرلمانية الأولى، ثم الاتجاه نحو تقييد حركة رئيس الجمهورية دستوريا لكي لا يتمكن من إرباك الخطط التي تود النهضة تطبيقها عبر البرلمان”.

 وخلص بالقول “يركز الغنوشي على الانتخابات القادمة حتى يحتفظ لحركته بموقعها الحالي على الأقل في ظل تآكل شعبيتها”.

وحسب استطلاعات رأي محلية تراجعت شعبية حركة النهضة بنسبة ملحوظة، حيث لم تعد تتصدر ترتيب نوايا التصويت، وأرجع المراقبون هذا التراجع إلى الخلافات التي تهز الحزب داخليا والمعركة على الصلاحيات مع الرئيس قيس سعيد التي ظهرت إلى العلن.

4