لماذا تستهدف السلطات المصرية مبدعين لا يعملون بالسياسة

أصبحت قضية الحريات في مصر واحدة من القضايا المثيرة للجدل، فقد ظهرت عدة تجاوزات طالت بعض الأشخاص والأماكن ذات الصبغة الثقافية، بما أوحى بوجود مخطط للحد من حرية الإبداع، لكن هناك من يقول إن توقيت الأحداث هو الذي خلق هذه الحالة السلبية، وأن جميعها حوادث منفصلة، كل منها له أسبابه وظروفه الخاصة، لكن السجل القاتم لمصر في مجال الحقوق والحريات، جعلها تفهم في سياق الاستهداف المتعمد للفن والثقافة والشباب والحريات.
الثلاثاء 2016/03/01
مقاومة المجتمع لذهنيته أهم من مقاومة السلطة

القاهرة – يبدو أن الرقابة على الأعمال الفنية في مصر تجاوزت حدود الهيئات الحكومية المخصصة لذلك لتشمل المحامين ورجال الدين وغيرهم. ودخل الحديث عن الأعمال الإبداعية قاعات المحاكم بحجة أن هذا العمل يسيء إلى دين أو تقاليد أو يحرض الشباب على الفساد ويخرج عن ضوابط المجتمع ويخدش خياءه.

وباتت قضية الحريات، بمختلف مجالاتها الإبداعية والدينية، في مصر، محلّ انتقادات حقوقية، في الداخل والخارج، وساهم في تفاقمها إغلاق بعض المؤسسات الثقافية ومحاكمة كتّاب ومطاردة نشطاء ومبدعين، وهو ما أضاف أرقاما جديدة لسجل قاتم محاصر بترسـانة من القوانين المقيدة للحريات.

مراقبون رأوا أن المحاكمات التي جرت لبعض الكتاب يحكمها قانون لم يعد مناسبا لمقتضيات الظروف الراهنة، لذلك لا تعد قمعا أو استهدافا مقصودا، بينما وصف آخرون هذه القوانين التي يتم الاستناد إليها في بعض المحاكمات بأنها “مقبرة للمبدعين”، لأنها تؤدي إلى غلق الأبواب في وجه من يقول رأيه بحرية، بل تضعه بسهولة خلف قضبان حديدية.

وقد خلقت المواجهات القضائية المتتالية لحرية الفكر والتعبير، حالة من السخط والاحتقان بين جموع المثقفين، وتسببت في زيادة وتيرة الهواجس نحو النظام المصري الذي يدعو إلى تجديد الخطاب الديني، فيما يحاكم مبدعيه بتهمة خدش الحياء العام وزادراء الأديان.

وأحدث الأحكام التي أثارت الجدل ووضعت هذه القضية في دائرة الاهتمام الحكم الذي صدر بحق الروائي أحمد ناجي، مؤلّف رواية “استخدام الحياة” وتوقيع غرامة مالية على طارق الطاهر رئيس تحرير صحيفة أخبار الأدب بسبب نشرها لفصل من الرواية، بتهمة خدش الحياء العام بألفاظ نابية.

هذا الحكم لم يفصله كثيرون عما يتعرض له المناخ العام لحرية الإبداع والتعبير الفني – بشكل خاص- والتعبير عن الرأي بشكل عام في مصر، من سلبيات، جرى تفسيرها على أنها ضد الحريات.

وقد أخذت هذه الأزمة بعدا جديا عندما شنّت السلطات المصرية، في الآونة الأخيرة، حملة موسّعة على بعض دور النشر وأماكن لتجمعات المبدعين، شملت مداهمة دار “ميريت للنشر”، ومؤسسة “تاون هاوس” الفنية وغلق مسرح (روابط).

وأوضحت مصادر لـ”العرب” أن محمد هاشم، صاحب دار ميريت، حوّل المقر إلى مكان لتجمع الشباب، والتباحث بشأن الهموم العامة في مصر، وهو الدور الذي عرف به منذ ثورة 25 يناير 2011، لذلك داهمته قوة من جهات رسمية، مستندة إلى تجاوزات إدارية، كانت مسكوتا عنها من قبل، واتخذتها ذريعة لإغلاق الدار، قبل حلول الذكرى الخامسة لثورة يناير.

قضية الحريات في مصر، باتت محلّ انتقادات حقوقية، وساهم في تفاقمها إغلاق بعض المؤسسات الثقافية ومحاكمة كتّاب ومطاردة نشطاء ومبدعين

وبالتوازي مع تهمة خدش الحياء العام لقضايا الرأي، برزت تهمة أخرى في نفس السياق، وهي تهمة ازدراء الأديان التي تأتي لتضع سيفا جديدا على رقاب أصحاب الرأي، حيث تم حبس الباحث إسلام بحيري، بعد تجريمه بهذه التهمة (ازدراء الأديان)، وحُكم بالحبس على الكاتبة فاطمة ناعوت بالتهمة نفسها. وخلال الأيام القليلة الماضية، وتحت نفس الذريعة حكمت محكمة مصرية بحبس ثلاثة طلاب أقباط لمدة خمس سنوات مع النفاذ، وإيداع طالب رابع إحدى دور الرعاية الاجتماعية إيداعا مفتوحا لأنه دون الـ 18 عاما، بتهمة إزدراء الدين الإسلامي.

ووصف ماهر نجيب، محامي المتهمين، الحكم بأنه “خطير ولم يسبق صدوره ضد أطفال في مصر”، وأنه كان يجب “تغريمهم فقط وأقصى غرامة في هذه الحالة ألف جنيه مصري”، فيما يؤكّد مراقبون أن هذا الحكم يعتبر حجّة قوية للاتهامات بأن هناك استهدافا رسميا للحريات.

مختلف هذه القضايا والأحكام الصادرة اعتبرها مراقبون تضاعف من حجم الالتباسات التي تحيط بمؤسسات الدولة في مصر، خاصة تلك الموكلة بتطبيق القانون، وتشير إلى عدم فهم القضاء للمادة الـ65 من الدستور التي تنص على أن “للإنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر”.

وحذّر مثقفون مصريون من “ثورة جديدة”، في ظل تكرار ما اعتبروه تكريسا للاعتداء على الحريات العامة، مشيرين إلى أن سجن الكتّاب وأصحاب الفكر والباحثين، سيؤدي إلى المزيد من الإرهاب، ويتناقض مع دعوة الدولة نفسها إلى الحرب عليه، لأنه يمنح المتشددين جرأة جديدة للتوسع والتغول.

وقد جاء في بيان صدر عن مجموعة من المنظّمات المصرية المدافعة عن حرية التعبير أن “معاقبة ناجي والطاهر بأقصى عقوبة أباحها القانون لتهمة ‘خدش الحياء العام’، رسالة قاسية وواضحة لكل من تُسوِّل له نفسه أن يستخدم خياله أو قلمه ليُعبِّر عن أي آراء مخالفة للثقافة العامة التي تحميها السلطة بهدف قتل روح الخيال والإبداع بما يساهم فيه ذلك من وقف حركة تطور الوعي الجماعي للمجتمع، ويجعله حبيس أفكار معادية للاختلاف وقبول الآخر. يعد هذا الحكم بمثابة تأكيد على معادة الأنظمة المتعاقبة لحرية الفكر والإبداع رغم اختلاف أيدولوجية وأفكار تلك النظم بين ديني ومدني”.

وحيد عبدالمجيد: هناك تراجعا عاما في مجال الحريات السياسية والثقافية والإبداعية

واعتبرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير، وهي من المنظمات الموقعة على البيان، أن الدولة غالبا ما تستخدم الأفكار الدينية في حروبها المعلنة والمبطّنة ضد قيم الحرية وكل ما يُصنّف على أنه حرية إبداع. وثمة طريق سهل لقمع حرية الفكر والتعبير والإبداع، فتارة يُتّهم المبدعون والمفكرون بالكفر وازدراء الأديان وتارة بخدش الحياء العام ونشر الفجور والرذيلة. وذكرت المؤسسة في بيان رفضها للحكم الصادر بحق أحمد ناجي، ومختلف القضايا والمواقف التي اتخذت ضدّ المبدعين، في الفترة الأخيرة، مشييرة إلى أن الأمر، في الفترة الأخيرة، “بدا وكأنه منهجية تستخدمها الدولة لترسيخ فكرة عدم معاداتها للدين في ظل حربها على الإرهاب”.

لكن، مع ذلك، يعتبر خبراء ومبدعون أن الأمر يتعلّق بمنظومة كاملة مترابطة، فالجهة الرسمية، عندما تقرّر توجيه التهمة لهذا الكاتب أو ذاك تجد لديها قاعدة جاهزة من القوانين المساعدة والرأي العام الشعبي “المتديّن” الداعم لها، وما حدث مع فاطمة ناعوت وأحمد ناجي وإسلام البحيري وغيرهم ليس مستجدّا، فمحاكمة المفكرين والمبدعين ومنع نشر الأعمال الأدبية الفنية ممارسات حدثت سابقا وفي فترات مختلفة، وفق ما تشير مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

جذور الأزمة تمتد إلى ما قبل ثورة 25 يناير 2011، وقد تعدّت جدران السجون ووصلت إلى حد القصاص بإزهاق الأرواح، وساهم في استفحالها وجود رقابة اجتماعية أجبرت بعض مؤسسات الدولة أحيانا على قمع الحريات استجابة لضغوط شعبية طالبت بوقف بعض الأعمال الأدبية والفنية.

جذور الأزمة تمتد إلى ما قبل ثورة 25 يناير 2011، وقد تعدّت جدران السجون ووصلت إلى حد القصاص بإزهاق الأرواح

وما زلنا نذكر نصر حامد أبو زيد وفرج فودة وروايات عديدة مُنعت كأولاد حارتنا ووليمة أعشاب البحر وغيرهما وحتى حوادث مفبركة كإلصاق عبادة الشيطان بمجموعات شبابية تستمتع بنوع مختلف من الموسيقى.

مناخ ضد الحريات

جابر عصفور، وزير الثقافة المصري السابق، أكد لـ”العرب” أن المناخ المعادي للحريات، سائد من قبل ثورة 25 يناير ولا يزال، مشيرا إلى أن هذا المناخ سببه تيارات دينية متشددة وقوى سلفية وخلايا إخوانية منتشرة في عدد من مؤسسات الدولة ومنها القضاء.

وأوضح أن تلك الخلايا تستغل الدعاوى القانونية لملاحقة المفكرين، مستشهدا على ذلك بأن أحد القضاة المستنيرين حكم ببراءة الروائي أحمد ناجي بعد أخذ آراء المثقفين (عصفور كان واحدا منهم) لكن في الاستئناف حكم قاض آخر بسجنه ثلاث سنوات.

مثقفون كثر أوضحوا لـ “العرب” أنه لا يمكن حبس الكاتب تحت ذرائع أخلاقية نسبية وقمعه بسبب آرائه الفكرية، فالإبداع مهما يكن لا يمكن أن تكون محاربته بالقمع والسجن، وإنما الفكرة تواجه بالفكرة. واللافت أن غالبية الدعاوى تجاه المبدعين تأتي من جانب مواطنين عاديين ومحامين، وليس من جانب مؤسسات رسمية في الدولة.

لكن حكم القضاء في هذه النوعية من القضايا يفضي إلى اتهام الحكومة ذاتها بتقييد الحريات وانتهاك الحقوق، وإذا تم التغافل عنها ستوجه اتهامات للنظام الحاكم بعدم الاهتمام بالمواطنين أو بالرأي العام ومخاوفه، وفي الحالتين سيلقى باللوم على الدولة.

حكم القضاء في هذه النوعية من القضايا يفضي إلى اتهام الحكومة ذاتها بتقييد الحريات وانتهاك الحقوق

وحيد عبدالمجيد، رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية، ألقى اللوم بالفعل على الدولة، وقال لـ “العرب” إن هناك تراجعا عاما بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو في مجال الحريات السياسية والثقافية والإبداعية، ظهر في الملاحقات القانونية، ليس فقط للناشطين السياسيين من التيارات الإسلامية واليساريين، لكنه شمل وبشكل متزايد مفكرين وأدباء.

وأشار إلى أن هناك اتجاها قويا رسميا يسعى للمقايضة بين الحرب على الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار، وبين التضحية بالحريات بكل أنواعها. واعتبر أن ذلك يشكل خطورة كبيرة على المجتمع والدولة على حدّ السواء، فحماية الحقوق والحريات وكفالتها وفقا للدستور من الأسلحة الفعالة لمحاربة الإرهاب، لأن “قمع الآراء سيدفع الأفراد إلى تبني اتجاهات متطرفة”.

وفرّق عبدالمجيد بين نوعين من التقييد على الحريات في مصر؛ الأول من جانب الدولة بشأن الحريات السياسية، تجاه النشطاء والثوار والمدونين وقمع الحريات تحت اعتبارات الأمن القومي وتهديد الاستقرار في المجتمع. والثاني من جانب المجتمع إزاء المفكرين والأدباء والمبدعين والذي زاد بشكل كبير في الفترة الأخيرة، ومن خلال المحاكمات العسكرية تحت زعم تهديد السلم والأمن الداخلي.

التضييق على الحريات في مصر، خاصة تجاه مجالات الإبداع والفن، ترجعه فوزية عبدالستار، أستاذة القانون الجنائي بجامعة القاهرة، إلى وجود ثغرات كبيرة في المئات من القوانين المصرية المخالفة للدستور، تسمح للبعض باستغلالها لمحاربة المبدعين والتنكيل بهم وحبسهم. وقالت لـ”العرب” إن المفاهيم القانونية الخاصة بالعقوبات فضفاضة وغير محددة، بما يتيح رفع دعاوى قانونية ضد من يعبرون عن آرائهم بحرية ويتم استصدار أحكام قضائية بشأنهم. والمشكلة ليست في القاضي، بل في ميوعة بعض مواد القانون الذي يطبق، بالتالي فالتضييق على الحريات يصعب القول إنه متعمد من قبل الحكومة فقط، لكن من جانب المجتمع أيضا، وتأتي مساهمة الدولة في هذا التضييق بسبب تجاهلها تحقيق الإصلاح التشريعي وتحديد جرائم الإبداع التي تتم فيها العقوبات.

خبراء يتفقون على أن الخروج من المأزق الراهن يكمن في تفعيل مواد الدستور المصري المتعلقة بالحريات والحقوق

تهوين أم تهويل

القانون لم يختلف قبل ثورة 25 يناير أو بعدها، مع ذلك رصدت “العرب” تعمد بعض الجهات الحقوقية تضخيم ملف الحريات والإيحاء بأن هناك تقييدا ممنهجا من قبل النظام الحاكم، ودخلت على هذا الخط منظمات محلية ودولية قدمت مجموعة من الأحداث المتلاحقة، بما يعزز أن هناك استهدافا مقصودا، حتى بدا هناك رأي عام يسلم بأن الحريات في مصر في خطر داهم.

التقرير الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية بشأن الحريات في مصر الأسبوع الماضي، رصد عددا من التطورات، أشارت إلى أن هناك اعتداءات صارخة على الحريات في مصر، وعززتها بوقائع، من نوعية مداهمة معرض “تاون هاوس” بوسط القاهرة في 29 ديسمبر الماضي، وغلق مسرح “روابط” التابع له، ومداهمة دار نشر “ميريت”. واستند التقرير إلى تصريحات وليام ويلز الذي عرفته الصحيفة بأنه مدير المعرض، بينما المدير المسؤول الرسمي هو الفنان ياسر جراب، وحذر وليام من أن مؤسسته تواجه رقابة شديدة.

لكن “العرب” علمت من مصادر مصرية أن المداهمة التي تمت ليست لها علاقة بالحريات، وذات أبعاد أمنية فقط، مغلفة بإجراءات إدارية، طالت أماكن أخرى للسبب نفسه، فمقر المعرض بوسط البلد بالقاهرة، أصبح مكانا لتجمعات شبابية وكانت هناك مخاوف من اتساعها، قبيل حلول الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير.

ونفى الفنان ياسر جراب لـ”العرب” وجود أبعاد سياسية أو أمنية للإغلاق، لكنه اعترف بأن الموقف كان غامضا في البداية، إلى أن تم منحه تصريحا مؤقتا لإعادة فتح المعرض في 15 فبراير الماضي، مع استكمال الإجراءات التي طلبتها نحو خمس جهات إدارية. وأكد جراب أنه عندما سأل شريكه وليام ويلز عن كلامه المنشور والمنسوب إليه في الغارديان قال له “نحو 70 في المئة منه غير صحيح، ولم يذكره للصحيفة”.

ويتفق الخبراء على أن الخروج من المأزق الراهن يكمن في تفعيل مواد الدستور المصري المتعلقة بالحريات والحقوق، وردم الفجوة بين النص والواقع على الأرض، وهذا يحتاج إلى توافر الإرادة السياسية.

6