لماذا تشكل فرنسا هدفا للجهاديين

الجمعة 2016/08/05

ضرب الإرهاب مرة أخرى في فرنسا عندما قاد رجل يتبنى فكر تنظيم الدولة الإسلامية شاحنة باتجاه حشود المواطنين الذين كانوا يحتفلون بيوم الباستيل في منتزه الإنكليز في مدينة نيس، ما أسفر عن مقتل 84 شخصا وجرح أكثر من 300 آخرين. وبعد أقل من أسبوعين، ذبح رجلان بايعا تنظيم الدولة الإسلامية كاهنا في إحدى الكنائس التي تقع في شمال فرنسا. والسؤال الذي يطارد فرنسا والعديد من المراقبين الآخرين هو: لماذا يتم استهداف فرنسا؟

تم استهداف بلجيكا مؤخرا، ولم تعان لا إسبانيا ولا بريطانيا من هجمات وحشية كتلك التي واجهتها فرنسا منذ يناير عام 2015.

لعب الفشل في جمع المعلومات الاستخبارية ومنع الإرهاب دورا في سلسلة من الهجمات الإرهابية. في الواقع، يقول المنتقدون إن حل نيكولا ساركوزي لجهاز المخابرات الداخلية الفرنسية في عام 2008، كجزء من الاندماج الكلي مع مكافحة التجسس وتفكيك أجهزة شرطة الأحياء أدى إلى إضعاف الأمن الفرنسي.

يتعلق السؤال الثاني برد فعل الطبقة السياسية الفرنسية ووسائل الإعلام بعد هذه الهجمات. حتى نوفمبر الماضي، كان هناك على الأقل غطاء من الوحدة الوطنية على غرار ما كان موجودا في أسبانيا عام 2004 وبريطانيا عام 2005. لكنه تلاشى، وتم تبادل الشتائم في كل الاتجاهات بين السياسيين ووسائل الإعلام، وهو ما يطرح السؤال عما إذا كان السياسيون يستغلون تنظيم الدولة الإسلامية بشكل مباشر، وهو التنظيم الذي يبدو أن غرضه الوحيد هو زيادة الخوف في الغرب.

منذ ثورة عام 1789، رسمت فرنسا وجهة نظر مميزة جدا عن نفسها، يسميها عالم الاجتماع الفرنسي-الإيراني فرهاد خسروخاور “شكلا حازما من النظام الجمهوري وارتيابا صريحا من الأديان، تاريخيا، ابتداء بالكاثوليكية”.

حسب منظور خسروخاور، “أدت نهاية الاستعمار وعقود من الإقصاء الاجتماعي للكثير من المسلمين الفرنسيين، ورسم صورة سيئة عن الاختلافات الثقافية والعولمة، إلى تضييق مجال المناورة أمام الدولة”.

يقوم التعريف الفرنسي للمواطنة على المثل العليا النبيلة جدا. لكن، على مدى الجيل الماضي، اضمحل المثال الجمهوري في فرنسا. ويبدو أن البلاد غير قادرة على الإصلاح. ولم يتمكن اقتصادها من توفير العديد من الوظائف الجديدة، والشباب هم الأكثر عرضة للبطالة مقارنة مع نظرائهم في ألمانيا أو بريطانيا.

توجد الغيتو (أحياء الأقليات) في مختلف البلدان الأوروبية، ولكن أولئك الذين يشعرون بالاغتراب في فرنسا عددهم كثير. وجدير بالذكر أن التمييز الذي يواجهه العمال وخريجو الجامعات من المسلمين في فرنسا يفوق ما يواجهه المسلمون في أي مكان آخر في شمال أوروبا.

واحتاج المسلمون الفرنسيون إلى وقت طويل لبلوغ المناصب العليا في مجال السياسة وفي الشركات الخاصة مقارنة مع نظرائهم في بريطانيا، والتي لا تتظاهر بأنها مجتمع أحادي الثقافة. أعلن السياسيون الفرنسيون أنهم يريدون فرض الاندماج، لكن يروي واقع الحياة اليومية في كثير من الأحيان قصة أكثر قتامة.

ما تزال فرنسا تعاني من الندوب التي خلفتها عملية إنهاء استعمارها الوحشي للجزائر، فيما يبدو أن بريطانيا تمكنت من إنهاء فترة الاستعمار على نحو أفضل. عندما حمل الفرنسيون من أصل برتغالي الأعلام البرتغالية حين فاز منتخب البرتغال في البطولة الأوروبية لكرة القدم، لا أحد اعتبر ذلك عيبا. ولكن أن يفعل فرنسيون من أصل جزائري الشيء نفسه، فإن ذلك سيجعل الجبهة الوطنية تنشر الشائعات التي مفادها أن الكنائس سيتم إحراقها.

يعتبر الدين في فرنسا شأنا خاصا – وبالتالي تم خوض معركة حول حظر الحجاب في الأماكن العامة. هذه الطريقة في التعامل مع الإسلام في المجال العام تسمح بازدهار الاتهامات بالإسلاموفوبيا. وفرنسا ليست أكثر من جيرانها خوفا من المسلمين حيث أن عدد الزيجات المختلطة أكبر دليل على ذلك.

حتى وقت قريب، نجح التكامل بشكل جيد من خلال نظام التعليم العام، ولكن تم خنق سوق العمل إلا في ما يتعلق بالمؤسسات العامة، مثل الجيش والشرطة، اللذين يجندان الكثير من الفرنسيين الشباب من أصول مسلمة. وتتقاسم كل من ألمانيا وبريطانيا المخاوف من الهجرة، ولكن بإمكان الأقليات في كلا البلدين التعبير عن الاختلافات الدينية والمجتمعية بشكل أكثر انفتاحا.

تدخلات فرنسا المتعددة في الدول الإسلامية مثل ليبيا وسوريا والعراق ومالي تزيد في تعقيد الأمور. ومع ذلك، تبرير هذه التدخلات – وبعضها من الصعب الدفاع عنها – قد لا يتوافق مع سيل من التعليقات التي لا تشرح الخلط بين الإسلام وأي من الصراعات الخارجية.

وكتب خسروخاور، في صحيفة نيويورك تايمز، أن هذا التجاهل من شأنه تعقيد العلاقات الدولية، وعندما يقترن مع العلمانية، فإنه يخلق مناخا يكشف “أن النسخة الفرنسية القوية للعلمانية غير مرنة، لذلك يمكن أن تظهر لتسلبهم كرامتهم”. إن ذلك يغذي ثورة لدى الأجيال التي تشعر بالعدمية حيث يكون جنود مشاة إما مجرمين وإما معتوهين.

تؤطر أيديولوجيا تنظيم الدولة الإسلامية الشعور بالغضب والاغتراب بطريقة تجعل المتطرفين يتبعون الخيار الذي اعتمدته الألوية الحمراء في الستينات من القرن الماضي. ولا ينبغي الاستهانة بآثار المذاهب الرجعية للجاليات المسلمة في الغرب.

في غضون ساعات على الهجوم الذي وقع في نيس، بدأ وزراء وسياسيون من اليمين واليسار الشجار وتبادل الشتائم.

كان الرجل الوحيد الذي خرج بشكل محترم هو المدعي العام في باريس، والذي اختار كلماته بعناية فائقة، بينما استمتع الكثير من المحافظين والبعض من السياسيين الاشتراكيين باللحاق بركب الجبهة الوطنية.

من غير المرجح أن توفر كل من وسائل الإعلام غير المسؤولة والسياسيين الشعبويين الخاضعين لأسوأ الغرائز، ورئيس خسر احترام الغالبية العظمى من أبناء وطنه واستمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، خلفية رائقة خلال الأشهر المقبلة.

*عن صحيفة العرب ويكلي

زميل مشارك في مركز برشلونة للشؤون الدولية

7