لماذا تشيد أبوظبي المتاحف وهي مدينة مستقبلية؟

يقدم متحف اللوفر أبوظبي برنامجا حافلا بالفعاليات والعروض الفنية المتنوعة لكوكبة من الفنانين العالميين، احتفاء بافتتاحه للزوار يوم 11 نوفمبر الجاري، مثبتا موقعه كأول متحف في العالم العربي برؤية عالمية، إذ يقدم أعمالا جمالية وتراثية مهمة لزواره.
الاثنين 2017/11/06
قبة تلتقي تحت غطائها كل الحضارات والفنون

ما بين 1793 سنة افتتاح متحف اللوفر بباريس وبين 2017 سنة افتتاح متحف لوفر أبوظبي شهد العالم تغيرا عظيما في المفاهيم والمعاني التي تتعلق بالمتاحف من حيث ضرورتها وقيمتها ووظيفتها والنتائج المرجوة من إقامتها.

كانت باريس يومها عاصمة للنور بسبب مصابيح شوارعها في ليل العالم المظلم فيما تحتل أبوظبي اليوم مكانة مميزة بين مدن العالم التي تسعى بالحداثة إلى أقصى مدياتها، وهو ما يعني أن لأبوظبي هي الأخرى مصابيحها في عصرنا الحافل بالتحولات الكبرى.

حياة جديدة لفن عريق

إن لوفر أبوظبي يهب حياة جديدة للوفر باريس. صحيح أن لوفر باريس كان دائما عالميا بمحتوياته وزواره غير أن أبوظبي تفتح أمامه اليوم بوابة في اتجاه الشرق.

لن يكون لوفر أبوظبي نسخة من لوفر باريس. سيستقبل لوفر أبوظبي آثارا وأعمالا فنية من متاحف فرنسية أخرى. وهو ما سيهب اللوفر شمولية لا يملكها في عروضه الباريسية.

ثلاثون سنة هي مدة العقد المبرم بين فرنسا وأبوظبي. وهي مدة كافية لأن تقيم أبوظبي لوفرها الخاص. هذا ما تأمله فرنسا وما يدعمه الواقع بأسباب تعود إلى المكانة الحضارية التي تتمتع بها عاصمة دولة الإمارات.

24 ألف متر مربع من الخيال والعاطفة هي فضاء مأهول بالأحلام ومشحون بالإلهام ستحلق كائناته الخفية كل لحظة في فضاء جزيرة السعديات.

بمتحف لوفر أبوظبي ترسخ الإمارات انتماءها إلى عصر العالمية مواكبة ومساهمة في ما يشهده العالم من تحولات في الفن

الخفة الساحرة

السعديات هي جنة الثقافة في ذلك البلد الذي عرف أبناؤه كيف يختصرون المسافات بين الأشياء وأرقى معانيها. جزيرة طبيعية تبعد مسافة 500 متر عن ساحل أبوظبي وتبلغ مساحتها 27 كيلومترا مربعا.

من الجسر الذي يصل إليها من اليابسة يمكن للمرء أن يرى شيئا من معالمها المعمارية التي حرص الإماراتيون على أن تنافس بجاذبيتها مشاهد الطبيعة الساحرة فاختاروا كبار المعماريين في العالم لتصميم تلك المباني التي تبدو اليوم بقيمتها الجمالية الحقيقية قطعا فنية رفيعة المستوى.

كان التخطيط الحضري الخاص بتلك الجزيرة يهدف إلى مزج العمارة والثقافة والسياحة والتجارة بجمال الطبيعة الذي عومل باحترام وانضباط بما يقود إلى الحفاظ عليه وتطويره. منارة السعديات وهو المبنى الذي افتتح عام 2009 يستضيف كل سنة معرض أبوظبي للفن، سوق تجارية تشارك فيها العشرات من الصالات

الفنية القادمة من مختلف أنحاء العالم. إضافة إلى ذلك فإن ذلك المبنى الثقافي يستضيف معارض تمثل أحدث تيارات الفن في العالم.

في انتظار إقامة متحفي زايد (صممه بوستر بارتنزر) وغوغنهايم (صممه فرانك جيري) وهما تحفتان معماريتان، يقف متحف لوفر أبوظبي في مقدمة المنشآت الثقافية التي تهب الجزيرة طابعا مميزا من جهة طرازه المعماري ووظيفته في نشر الوعي الجمالي.

مصمم لوفر أبوظبي هو الفنان المعماري الفرنسي جان نوفيل الذي فاز مؤخرا بجائزة بريتزكر الخاصة بفن العمارة.

لوفر أبوظبي هو قبته التي تُرى من بعيد، من على الجسر أو من اليابسة. يبلغ قطر تلك القبة 180 مترا وهي تغطي معظم أجزاء المتحف.

تتكون القبة من ثماني طبقات صُنعت من الحديد الصلب. القبة التي استغرق تشييدها سنتين تتألف من 85 جزءا، كل جزء منها يبلغ وزنه 50 طنا. تغطي القبة أشكال هندسية بلغ عددها 7850 شكلا بأحجام مختلفة. أعلى نقطة في القبة هي على ارتفاع 40 مترا عن سطح البحر أما الحافة السفلية منها فهناك 29 مترا تفصلها عن الأرض.

الأعمال الفنية المعروضة تقدم نظرة شاسعة على تاريخ المحاولة الجمالية عبر العصور

يضم المبنى 23 قاعة للعرض الدائم وهناك قاعات للعروض المؤقتة تصل مساحة الأرض المخصصة لها إلى ألفي متر مربع.

ما يميز المبنى الذي يزن أطنانا من الحديد والإسمنت والزجاج خفته وهو يذكر بمنحوتات الإسباني تشيلدا والأميركي ريتشارد سيرا.

الشرق والغرب

تُرى لماذا تبني أبوظبي متاحف وهي مدينة مستقبلية؟

الملايين من البشر تسافر إلى باريس من أجل زيارة متحف اللوفر وهي لا تفعل ذلك من أجل الاطلاع على إنجازات الماضي، بل من أجل رؤية أعمال فنية قاومت الزمن بطاقة جمالية تذهب إلى المستقبل بقوة خيالها. لا يحفظ المتحف للبشرية ذاكرتها فحسب بل يرافقها إلى مستقبل أيامها، مرشدا إلى النقاط المضيئة في التاريخ البشري. علاقة جدلية لا يمكن العثور عليها مجسدة إلا في المتاحف العظيمة التي هي من نوع متحف اللوفر.

في مجال تلك العلاقة ينفتح لوفر أبوظبي على حقول جديدة للمتعة البصرية حين يخصص عددا من قاعاته لنشاطات الأطفال الفنية بما في ذلك متحف لهم.

هناك مزاوجة بين اللعب الصغير الذي هو لعب الأطفال في الممارسة الفنية وخارجها وبين اللعب الإلهامي الكبير الذي يمثله الفن في مختلف مستوياته وفي مختلف عصوره. شيء من التفاعلية ما كان في إمكان المتحف الأم ببزته التقليدية أن يجرؤ على الإقدام عليه.

في عرض افتتاحه سيقدم “لوفر الصحراء” 620 قطعة فنية تمت استعارتها من مختلف المتاحف الفرنسية وفي مقدمتها اللوفر واورسيه ومركز بومبيدو، كما أن هناك قطعا آثارية معارة من قبل عدد من المتاحف العالمية كالمتروبوليتان بنيويورك.

لوفر أبوظبي تحفة فنية عالمية للمعماري الفرنسي جان نوفيل

تقدم الأعمال الفنية المعروضة نظرة شاسعة على تاريخ المحاولة الجمالية عبر العصور كما تقدم فكرة عميقة عن التنوع الحضاري الذي تميز به التاريخ البشري، حيث يجتمع الشرق والغرب في عرض شيق يهدف إلى تسليط الضوء على حوار الحضارات الذي كان يقف دائما وراء التطور الذي شهده العقل البشري في مختلف مجالات الوعي.

تكامل الحضارات

في أبوظبي تكون اللقى الفنية القادمة من الحضارات القديمة قريبة من منابع إلهامها ومواقع إنتاجها وناسها المسكونين بعظمتها وروعة القيم الجمالية التي تنطوي عليها سواء في مصر أو الهند أو الصين أو فارس أو بلاد ما بين النهرين. وهو ما يهب لوفر أبوظبي صفة حامل الكنوز العائد بها إلى بلادها وإن بطريقة مجازية. غير أن تلك الصفة ستكون أكثر تأثيرا وعمقا حين نعرف أن المتحف يضم أعمالا فنية تنتمي إلى العصور الحديثة بدءا من عصر النهضة وانتهاء بعصر ما بعد الحداثة.

من خلال تلك المجاورة سيلمس أبناء الحضارات الأولى بأيديهم الخيط الذي يصل الحضارات بعضها بالبعض الآخر. وهي مهمة تثقيفية على درجة كبيرة من الأهمية وبالأخص على مستوى مقاومة التيارات المتطرفة التي تنادي بصراع الحضارات.

بمتحف لوفر أبوظبي ترسخ دولة الإمارات العربية انتماءها إلى عصر العالمية ومكانتها المهمة فيه، فلا تقف حدود بينها وبين ما يشهده العالم من تحولات في الفن وفي طرق وأساليب النظر إليه. هناك حق مشروع في تداول الفن اكتسبته بطريقة قانونية، أقل ما يقال عنها إنها كانت تجسيدا لوعي معاصر انتقل بالفن من مناطق تداوله الضيقة إلى مناطق أكثر سعة فصار الأثر الجمالي متاحا في أماكن غير متوقعة من العالم.

لذلك يمكن القول إن جوهرة المتحف العريق هو سميه الإماراتي. وإذا ما عرفنا أن ذلك السمي لن يكون نسخة طبق الأصل بل سيكون مختلفا بطريقة قد خُطط لها سلفا فإن لمعان تلك الجوهرة سيجعل من الإمارات وأبوظبي قبلة للباحثين عن الجمال.

كاتب عراقي

15