لماذا تصاعدت الراديكالية في المجتمع التركي

أسلمة المجتمع التركي باتت ظاهرة للعيان ولم تعد خافية على من تابع سيرة الرئيس أردوغان وطبيعة تكوينه وارتباطاته، لكن الأخطر هو تنامي التطرف نحو الأقصى مما ينذر بما يوصف بانقلاب السحر على الساحر، ذلك أن نسبة المتعاطفين مع داعش شملت الأكراد وغيرهم في مؤشر على أن هذه الأسلمة عابرة للقوميات والأقليات العرقية.
الجمعة 2017/12/01
ما آلت إلية الدولة العلمانية

تحولات متدحرجة يشهدها المجتمع التركي نحو الراديكالية الدينية، منذ بلوغ حزب العدالة والتنمية السلطة، قبل عقد ونيف، واتضحت أجندته الدينية الخفية، وتجلّى أن ما روّج له، بحسبانه نموذجا تصالحيا، ينبني على مفهوم “الديمقراطية المحافظة”، ولم يكن سوى محض نسخة مكررة من تيارات شرق أوسطية راديكالية.

بدت هذه الظاهرة واضحة في الممارسات الأكثر تصلبا وانغلاقا من نظيرتها التركية السابقة، بحسبان أن الأخيرة اندمجت في الحياة السياسية والعمل الحزبي التركي، من دون المساس بمعادلات الحكم وقوانينها القائمة، ولم تسع إلى إعادة هندسة المجتمع على نحو يديّن المجال العام، أو يفرض عليه صراعات هوياتية، عبر تعزيز الاستقطاب على أسس دينية، أو عرقية، أو طائفية.

في المقابل لم يلتزم حزب العدالة الحاكم بتلك السياسات التوافقية، واتبع نهجا مزدوجا، ودعّم خارجيا تيارات متطرفة على مسرح العمليات الإقليمي، ودرج محليا على تحويل المسار التركي عن الإصلاح الليبرالي، واتجه نحو الاستبداد الشعبوي، بما دفع بعض الأدبيات إلى القول إن مرحلة حكم الرئيس رجب طيب أردوغان تمثل “موت الجمهورية التركية”.

علقت مجلة فورين بوليسي على السياسات المحلية لأردوغان، عبر عنوان شهير كان مفاده “فلترقد الجمهورية التركية بسلام”، معتبرة أن ممارسات الرئيس التركي أغلقت فصلاً رئيسيا من تاريخ بلاده الحديث، انتهت به إمكانية تحقق ديمقراطية حقيقية في تركيا.

تنوعت العوامل المحركة للمشهد التركي لترتبط بعض مظاهره بالإعلان المستمر عن ملاحقات مجموعات تركية إرهابية استوطنت المجتمع، واندمجت في أطر جهادية ومجموعات إرهابية، بعضها نشط وبعضها الآخر منخرط في “خلايا نائمة”.

تحذير من استهداف المؤسسات الإدارية ومقار الأحزاب السياسية وغيرها من قبل النسخة الراديكالية من التيارات السلفية

جاء ذلك على خلفية مرحلة شهدت فيها بعض مدن تركيا عدداً غير مسبوق من التفجيرات الإرهابية قامت ببعضها تنظيمات كانت قد دعمتها السلطات التركية، عبر فتح حدود البلاد أمام تحركها نحو دول الجوار، ذهاباً وعودة.

ترتب على ذلك أن تفاقمت ارتدادات ظاهرة “الأتراك الدواعش”، نتيجة لانتشار الأيديولوجيا الجهادية في بعض البلدات والمدن التركية، جراء استنساخ تركيا “النموذج الباكستاني”، الذي غالى في اختراق الجماعات الإسلامية ونسج علاقات معقدة مع تنظيم طالبان، ووظفه للسيطرة على الساحات المنفلتة في الجوار المباشر”.

ثمة تقديرات تشير في هذا الإطار إلى وجود أكثر من 600 مقاتل تركي في صفوف التنظيمات الإرهابية من بلدة بينغول وحدها، والتي تقع شرق الأناضول، ويبلغ عدد سكانها نحو 250 ألف مواطن، وتشير تقديرات أخرى إلى أنه كان هناك أكثر من ثلاثة آلاف تركي انخرطوا في صفوف تنظيم داعش الإرهابي.

وتصاعدت الأيديولوجيا الجهادية في المجتمع التركي، وأشارت استطلاعات للرأي العام إلى أن ثمة اتساع في نطاق القطاعات الشعبية المتعاطفة مع تنظيم داعش، كما أن مجموعات ليست بالقليلة من المجتمع لا تنظر إلى تنظيم داعش أو جبهة فتح الشام، بحسبانها جماعات إرهابية.

احتلت تركيا المركز الخامس من حيث أعلى مستويات التعاطف مع المجموعات الإرهابية. وفي هذا السياق، تقول عائشة أونكو، أستاذ علم الاجتماع في جامعة سابانجي في إسطنبول: لم يعد المجتمع التركي منشغلا بالصراع بين تياري اليمين واليسار، وإنما بات منغمسا في صراع أشدّ بين العلمانيين والإسلاميين.

إن تصاعد مظاهر هذا الصراع، يرتبط بقناعة الرئيس التركي بخياراته المتأثرة على الأرجح بطبيعة نشأته وتعليمه في مدارس الأئمة والخطباء.

كما تعكس حقيقة انتمائه إلى حركة المللي غوروش التي تعد الفرع التركي من جماعة الإخوان، والتي كان قد أسسها الراحل نجم الدين أربكان، ومن خلال الأحزاب التي تمخضت عنها، استطاع أردوغان الترقي سياسيا إلى أن وصل إلى منصب عمدة إسطنبول مرشحا عن حزب الرفاه.

من هذا المنظور، كان نهج أردوغان الشعبوي متسقا مع أفكاره المنغلقة، ولا سيما أنه لم يختلط طوال نشأته مع أي ثقافات أخرى، ولم يتعلم لغات أجنبية، وكانت فلسفة حكمه طيلة السنوات الخالية قائمة على إحكام قبضته على السلطة، عبر سياسات تعزز الانقسام والاستقطاب الهوياتي في المجتمع التركي. كان من النتائج الخطيرة لسياسات حزب تركيا الحاكم حيال التيارات الجهادية والمتطرفة على مسرح عمليات الإقليم، أن برزت ظواهر لم يعهدها المجتمع التركي، من ضمنها ظاهرة “التسلف الديني”، والتي ظلت تاريخا هامشيا في المشهد الديني التركي، بسبب ضعف تأثيره، وتراجع حضوره، مقارنة بالتيارات الصوفية ذات التوجهات الأكثر اعتدالا وتصالحا مع الإرث الثقافي الذي حُملت به الدولة التركية، منذ تجارب التغريب على يد مصطفى كمال أتاتورك.

اتساع القطاعات الشعبية المتعاطفة مع تنظيم داعش، ومجموعات ليست بالقليلة من المجتمع لا تنظر إلى تنظيم داعش أو جبهة فتح الشام بحسبانها جماعات إرهابية

مع ذلك، فقد تصاعد القلق، وتزايدت المخاوف الأمنية مؤخرا من انتشار ما يطلق عليه تيار “السلفية الجديدة”، ومن احتمالات اتجاه قطاعات منه إلى “الانقلاب” على الدولة في مرحلة لاحقة، عبر الانخراط في مجموعات مسلحة، بما قد يشكل حالة طارئة مناقضة لمختلف التيارات الإسلامية التركية السابقة، والتي تجنبت كل أشكال العمل العنيف في أوج أزماتها مع الدولة.

في هذا السياق، كانت تركيا قد شهدت إقدام بعض المشايخ على إقامة “صلاة الغائب” على أرواح عناصر داعش الذين قتلوا في سوريا والعراق، ولم يكن ذلك مقصورا على بعض المناطق الريفية أو الهوامش الحدودية، وإنما شمل أيضا قلب أحياء بعض المدن الرئيسية.

وظهرت أيضا، مجموعات موالية للتنظيمات الجهادية في الجامعات التركية، كتلك التي أطلق عليها “الشباب المسلم”، وهم يضعون أقنعة سوداء على وجوههم، ويرتدون قبعات سوداء، ويقومون بالاعتداء على النشطاء والمجموعات الأخرى التي تعارض انتشار مؤيدي داعش في الجامعات التركية المختلفة، وباتت هناك محلات تبيع هدايا تذكارية تحمل رموز داعش، مثل الرايات والملصقات والأعلام.

كما برزت خلال السنوات الماضية “شركات مشبوهة” تصدر شهادات عمل تمكن الجهاديين من الحصول على إقامة رسمية في تركيا لمدة عام، وغدت عناوين المقاهي التركية، التي يتم من خلالها التواصل مع عناصر الجماعات الجهادية، تشهد عمليات تجنيد علنية للمواطنين، معروفة ومنتشرة في أكثر من منطقة، في إسطنبول أو في أغلب المدن الحدودية مع الأراضي السورية، والتي شكلت “ممرات آمنة”، أو “طرقا جهادية سريعة” للعناصر الراغبة في الانضمام إلى التنظيمات المتطرفة، سواء جاؤوا من مدن تركيا المختلفة، أو من مناطق قاعدية أخرى.

أفضت المعطيات السابقة إلى تشكيل حواضن شعبية في العديد من المناطق الحدودية، بما جعل الأكراد، الذين يعانون من تهميش وإقصاء سياسي ومجتمعي، يمثلون نحو 65 بالمئة من أعداد الأتراك المنضوين في التنظيمات الجهادية. وقد تزايدت ظاهرة الأكراد الدواعش في المجتمع الكردي الذي يشكل نحو 15 بالمئة من المجتمع التركي، في مدن مثل تبليسي، ودبينغول، وإيلازيغ.

وثمة تقديرات أمنية تحذر، في هذا الإطار، من استهداف المؤسسات الإدارية والمباني، ومقار الأحزاب السياسية الرئيسية والفرعية، وغيرها من قبل النسخة الراديكالية من التيارات السلفية، لما في ذلك من مظاهر لا تناسب شكل وملامح “الدولة الإسلامية” التي تهيمن على مخيلة هؤلاء السلفيين، مما قد يدفع البعض منهم إلى إمكانية اللجوء إلى العنف والإرهاب.

كما قد يشمل ذلك إمكانية لجوء البعض منهم إلى العمل على تأجيج الصراعات الطائفية في المجتمع، عبر استهداف الأقليات الدينية والطائفية، ولا سيما أن مجموعة كبيرة من الأتراك الذين التحقوا بداعش هم وراء معظم التفجيرات الانتحارية، التي استهدفت إثارة التوترات الإثنية بين المواطنين الأكراد والأتراك في تركيا.

لذلك، فتركيا، الدولة والمجتمع، غدت تدفع أثمان باهظة لسياسات حزب العدالة والتنمية، والتي أبعدت البلاد نسبيا عن الثقافة العالمية التي كانت متناغمة معها، وأسهمت في أن تغدو أنقرة أول دولة إسلامية مرشحة لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي.

بيد أنها، وعلى خلاف ذلك، بدت خلال السنوات الأخيرة أبعد ما تكون عن القيم الديمقراطية، كما أضحت، في الوقت نفسه، في خصام تام مع الإرث الليبرالي التقليدي لتيارات تركيا الإسلامية.

منشور في موقع "أحوال" الإلكتروني

13