لماذا تصاعد الإرهاب في سيناء

الاثنين 2014/11/03

الجماعات الإرهابية المختلفة، ركزت عملياتها في سيناء أكثر من غيرها، ومنحت هذه المنطقة المصرية أهمية خاصة دون غيرها، ففي الوقت الذي تراجعت فيه عمليات استهداف رجال الشرطة والجيش والأماكن الحيوية في القاهرة وغيرها، بدت سيناء كأن لها خصوصية استراتيجية في أجندة الإرهابيين، ومن يقف خلفهم في الداخل والخارج.

المخطط الذي سار عليه الإرهابيون منذ سقوط حكم الإخوان في مصر، يتكون من شقين.

أحدهما توجيه ضربات موجعة لجهاز الأمن، والمؤسسات ذات الأهمية الفائقة، لإظهار عجز الدولة، ومحاولة القفز على السلطة مرة أخرى، وعندما تأكدت يقظة أجهزة الدولة، وصعوبة كسر شوكتها، وأصبح الفشل مصاحبا لهذه الرؤية، جرى تغيير الخطة، لتنتقل إلى الشق الثاني، وهو محاولة إيجاد فتنة بين المصريين، تارة بالعزف على وتر الخلافات الطائفية، وأخرى بخلق مسافة بين المؤسسة العسكرية والمواطنين، وثالثة بتخريب الهيئات المهمة، التي تمس عصب مصالح المواطنين، مثل الطرق والمواصلات والكهرباء والمياه.

عندما تيقّنت جماعة الإخوان وحلفاؤها المتشددون والجهات التي تدعمهم، من عدم جدوى هذا السيناريو، بشقيه السابقين، تم اللجوء إلى سيناريو ثالث، كان موضوعا سلفا في المفكرة التي تضبط إيقاع الحرب بين الإرهابيين والدولة المصرية، ولم يتم استخدامه بصورة علنية، وظهرت مؤشرات كثيرة دلّت على وجوده، ويقوم على السعي لفصل سيناء عن الجسد المصري التاريخي، أملا في تحويلها لأزمة إقليمية، بالاستفادة من بعض العوامل الجغرافية، التي جعلت سيناء تبدو كمنطقة نائية، فضلا عن عوامل أخرى، اقتصادية واجتماعية وأمنية، ساهمت في تكثيف الجهود في هذه المنطقة، وجعلت منها هدفا يمكن توظيفه، للضغط على الدولة، التي استعادت جزءا من عافيتها.

خصوصية البيئة في سيناء، أغرت أصحاب هذا التفكير بالمضي قدما في تنفيذه، وجرى العزف على وتر بعض المظالم التاريخية التي تعرضت لها قلة من أهالي سيناء، كما تعرض لها كثير من المصريين في أماكن مختلفة، وحاولت بعض الدوائر تضخيمها، ومحاولة تصويرها باعتبارها ظاهرة “سيناوية” فقط.

بالتوازي مع هذا الاتجاه، تدفقت كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة على سيناء، واتخذت منها الجماعات المتطرفة وكرا، بعيدا عن أعين أجهزة الأمن، بسبب الطبيعة الجغرافية الصعبة، واستفاد هؤلاء من فترة وجود الرئيس الإخواني محمد مرسي في الحكم، وجرى تسهيل طرق وصول الإمدادات إلى سيناء، وتخزين العتاد والسلاح، حتى إذا حانت لحظة الاستفادة خرجوا من جحورهم، أملا في تمزيق جسد الدولة المصرية.

ما يدور في هذه الأيام حلقة أخرى في هذا المخطط، فقد لجأت الجماعات الإرهابية إلى زيادة وتيرة عملياتها في سيناء، لإرهاق أجهزة الأمن التي تطاردهم، وحققت نجاحات فائقة، وسعيا وراء إظهار سيناء بؤرة خارج السيطرة، مع الحضّ على إثارة غضب المواطنين المصريين في سيناء ضد الدولة، التي أدت بعض التصرفات غير المقصودة إلى إصابة عدد منهم، ولم يتوقف الإرهابيون عند هذا الحد، بل تعمدوا تجنيد واستقطاب فئة من أصحاب النفوس الضعيفة في سيناء، لإجبار أجهزة الأمن على استهدافهم أو استهداف أهاليهم، كنوع من أنواع الضغط، وبالتالي يقترب مخطط الإرهابيين من هدفه، وهو إحداث شرخ بين الجانبين.

النظام المصري، لم يكن غائبا عنه السيناريو القاتم، وكانت قوات الجيش والشرطة تتصرف بحذر عند مطاردتها للإرهابيين وسط السكان في سيناء، الأمر الذي جعل المهمة الأمنية غاية في الصعوبة، وأطال أمد المعركة مع الإرهابيين، وكلما بدت على وشك الانتهاء ظهر متغير جديد، أعادها إلى الواجهة، حيث تعمد المجرمون تكثيف ضرباتهم هناك، حتى ترتفع فرص وقوع ضحايا من المواطنين، سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، ويتم تهيئة التربة للنقمة على الدولة، وتحميلها جانبا من تداعيات الحرب على الإرهاب، وإجبارها على اتخاذ إجراءات أمنية استثنائية، يمكن استثمارها، في الترويج لمخطط أن “سيناء أصبحت خارج سيطرة الدولة”.

العملية الإرهابية التي وقعت في شمال سيناء يوم 24 أكتوبر الماضي، كان غرضها جر أجهزة الأمن للإقدام على خطوات غير مسبوقة، وبالفعل بدأت الحكومة سلسلة إجراءات لنقل محدود لمئات من السكان على الشريط الحدودي بين رفح المصرية ونظيرتها الفلسطينية، وهو ما فضح السيناريو الغامض لتركيز العمليات الإرهابية في سيناء، فبمجرد القيام بهذه الخطوة، انطلقت أبواق لتسويق النقل، على أنه عملية تهجير كبيرة، مقصود بها التشكيك في ولاء قاطني سيناء من المصريين.

على هذا الخط دخلت أذرع الإخوان الإعلامية، مثل الجزيرة وأعوانها، وبدأوا في صياغة منظومة، تروج لمدى الفقر والجوع في شمال سيناء، مقابل ساكني القصور في جنوب سيناء، وتتخذ من النقل المحدود فرصة لدفع منظمات حقوقية للكلام عما حدث باعتباره “ينافي قواعد حقوق الإنسان”.

وفي هذا الخضم تجاهل هؤلاء الدور الذي يقوم به الإرهابيون، من عبث غير محدود في سيناء، وتم تجاهل الدور الخطير الذي تقوم به حركة حماس، كأكبر “مقاول أنفاق” في العالم، تستخدم في تهريب الأسلحة والمجرمين.

على ضوء هذه المعطيات، يمكن القول أن تصاعد العمليات الإرهابية في سيناء، يعود إلى أن من يقفون خلفها، تأكدوا أنهم أخفقوا في إعادة الإخوان للحكم، أو حتى جعلهم جزءا من المشهد الراهن، وأن الرئيس عبدالفتاح السيسي نجح في تجاوز المرحلة السياسية الصعبة، بالتالي كان من الضروري البحث عن سيناريو مريض، قد يجعل من سيناء، دارفور أخرى، أو كردستان ثانية، وتجاهلوا حقائق الجغرافيا والتاريخ، لأن مصر ليست السودان أو العراق، وقيادتها الحالية تعي المخططات الإقليمية الخبيثة، وتجيد فنون التعامل مع المؤامرات الخارجية، والدليل على ذلك تجاوز المرحلة الخطيرة التي تلت ثورة 30 يونيو.

كاتب مصري

8