لماذا تصر الخرطوم على السلام في جنوب السودان

إصرار الخرطوم على السلام في جنوب السودان، سوف تظل ارتدادته الداخلية والإقليمية رهينة بالخطوة التالية التي يقوم بها الرئيس عمر البشير مع معارضيه.
الاثنين 2018/07/30
اختيار أسلوب نافع للحوار

لم نر النظام السوداني مصرا على تحقيق السلام في بلده، مثلما يصر على الوصول إليه في جنوب السودان. بذل جهودا سياسية كبيرة وتحمّل مناورات الرئيس سلفا كير ومعارضه اللدود رياك مشار، وأدرك أن السلام في جوبا سوف يكون نواة مساعدة للسلام في المنطقة برمتها.

التحركات الحثيثة التي قامت بها دول عديدة لإقرار السلام في جنوب السودان، تؤكد أن هناك رغبة إقليمية ودولية للوصول إلى تسوية سياسية ثابتة بين طرفي الأزمة، كير ومشار، وإصرارا للتوقيع النهائي على اتفاق سلام، من المقرر له 5 أغسطس المقبل في الخرطوم.

النجاح الذي تحقق، الأربعاء الماضي 25 يوليو، من خلال التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق لتقاسم السلطة والثروة، يُحسبُ للوسيط السوداني، الذي عقد اجتماعات ماراثونية لتذليل العقبات وتجسير الهوة الواسعة بين الطرفين.

التفاؤل الذي ساد بموجب التفاهمات الجديدة بين إثيوبيا وإريتريا، أرخى بظلاله على الأزمة المحتدمة في جنوب السودان، وجعل دوائر كثيرة تنتظر تسوية تنهي الحرب الأهلية المستمرة منذ حوالي خمس سنوات، لأن حلحلة الموقف بين كير ومشار، تقف خلفه جهات مختلفة، ترى أهمية قصوى في تصفير الأزمات في منطقة شرق أفريقيا.

المقاربة السودانية، سبقتها مبادرات مهمة من قبل إثيوبيا وكينيا وأوغندا ومصر، لكن يبدو أن انخراط الخرطوم بجدية هذه المرة وتوفير قوة دفع متنوعة، ساهما في شيوع أجواء تشي باقتراب إنهاء الأزمة التي حولت جنوب السودان من دولة واعدة إلى دولة فاشلة.

التهديدات الذي تعرض لها الطرفان واتجاه المجتمع الدولي لفرض عقوبات جديدة عليهما، لعبا دورا في رضوخ كل من كير ومشار لنداء السلام، عقب فترة طويلة من الممانعات والمماطلات.

وكان الحرص الأميركي على إغلاق واحدة من الأزمات التي أثرت سلبا على مصالح واشنطن في المنطقة، عاملا أساسيا في عودتهما للحوار، ودافعا رئيسيا للخرطوم للدخول على الخط، بعد إخفاقها في توظيف الأزمة سياسيا واقتصاديا.

الاهتمام السوداني الكبير، كان لافتا للانتباه، ومثيرا لعديد من التساؤلات، لأن الخرطوم التي أخفقت في حل مشكلاتها مع المعارضة، تتولى حل أزمة بين نظام الحكم في جنوب السودان ومعارضيه، وتقدم تصورات مرنة وحلولا بديعة وخلاقة لطي صفحة الحرب.

النظام السوداني وجد في الوصول إلى اتفاق سلام في جنوب السودان، مدخلا لتقديم نفسه في حُلة ناصعة للولايات المتحدة، التي ألمحت إلى عدم استبعاد رفع العقوبات الاقتصادية عنه، شريطة تأكيد أنه تخلى عن مشاغباته السياسية والأمنية

الزخم الذي وفره السودان لهذه المصالحة يأتي في ظاهره من باب الحرص على الأمن والاستقرار، وفي سياق اهتمام إقليمي ودولي لتهيئة المنطقة لمشروعات تنموية، يمكن أن تغير من الطبيعة الصراعية، لكن في جوهره لا يخلو من أهداف سودانية.

الخرطوم تريد إنجاز عملية السلام، لتقدم نفسها على أنها من يطفئ الحرائق وليس لها علاقة بتوترات سابقة حدثت في المنطقة. تسعى لتكون لاعبا في التحولات الجديدة التي تعتمد على توطيد قواعد التعاون الإقليمي، وسوف يكون البحر الأحمر مسرحا لها وربما من أهم ركائزها.

النظام السوداني وجد في الوصول إلى اتفاق سلام في جنوب السودان، مدخلا مناسبا لتقديم نفسه في حُلة ناصعة للولايات المتحدة، التي ألمحت إلى عدم استبعاد رفع العقوبات الاقتصادية عنه، شريطة التجاوب مع المعطيات التي تؤكد أنه تخلى عن مشاغباته السياسية والأمنية.

التحديات التي تواجهها الخرطوم خطيرة ومتشعبة، ووجدت أن السلام في جنوب السودان يمكن أن يقدم حلولا لعدد منها. فتوقيع اتفاق نهائي من خلال وساطة سودانية يخلق انطباعات جيدة حيال الرئيس عمر حسن البشير وحزبه الحاكم (المؤتمر الوطني).

كما أنه يطوي ملف المحكمة الجنائية التي تتهمه بارتكاب جرائم حرب وتطالبه بمثوله أمامها، ويخفف الضغوط التي يتعرض لها من جانب جهات دولية، بسبب انتقاداتها المتكررة لما يوصف بالخروقات في مجال الحريات وحقوق الإنسان والغبن الذي يمارس ضد المعارضة.

السلام في جنوب السودان، يفضي إلى استئناف ضخ تصدير النفط عبر الأراضي السودانية، والذي يعتبر مصدرا مهما للدخل في الخرطوم، ما يساهم في حل جزء من الأزمة الاقتصادية المحتدمة، والمحافظة على تدفقه لسنوات طويلة من خلال السودان، قبل أن يتم التفكير في تحويل أنابيبه عبر أراضي دول أخرى، مثل إريتريا.

الرئيس البشير أصبح واعيا بعمق التغيرات الجارية في المنطقة، ويدرك أبعادها المستقبلية، لذلك يريد أن يكون واحدا منها، مستفيدا من علاقته الجيدة مع أديس أبابا، وتحسنها مع أسمرة، وأبدى استعدادات إيجابية للانخراط في التصورات التي تحملها دولتا الإمارات والسعودية للقرن الأفريقي، وعلى استعداد للتضحية بحلفائه القدامى، قطر وتركيا، طالما وجد له موطئ قدم في المنظومة الجديدة.

التوجهات التي يحملها النظام السوداني، تشير إلى رغبته في استيعاب التطورات والحرص على التقاطع معها بصورة إيجابية، بدليل إعادة النظر في التوترات التي دخلها مع دول كثيرة. ولعل الانسجام الحاصل في علاقة الخرطوم بالقاهرة مؤخرا، يعزز هذه القناعة، ويقول إن السودان لن يصبح دولة مشاغبة في المنطقة، ومرشح ليكون ضمن عوامل الاستقرار.

الاختبار الذي دخلته الخرطوم من خلال باب السلام، يضع على عاتقها حزمة من التحديات، أبرزها التفكير بجدية في التوترات السياسية والصراعات المسلحة التي يموج بها السودان، والبحث عن صيغة لتفكيك العقد التي تقف حائلا دون التوصل لاتفاقات راسخة. فلن تكتمل قناعة دوائر إقليمية ودولية بسلمية توجهات البشير، ما لم يتمكن من التصالح مع خصومه.

الرؤية السلمية التي تحملها كل من إثيوبيا وإريتريا لن تكتفي بالمصالحة بينهما، لكنها تأتي ضمن إطار أشمل للتسوية السياسية وتحقيق الاستقرار بمفهومه الكامل، فأي طموحات على المستوى الإقليمي لن يكتب لها النجاح، إذا استمرت العقبات المحلية وفي مقدمتها الخلافات الطاحنة بين القوى العرقية والمجتمعية والسياسية.

الخطوة المقبلة هي إطفاء جميع الحرائق الداخلية، وهي التي كانت دافعا للتسوية من الخارج. في دول كثيرة تكون المصالحات المحلية مقدمة لأخرى خارجية، لكن خصوصية بعض دول القرن الأفريقي وتشعب العلاقات بينها وتداخل المشكلات، تجعل العكس هو الصحيح.

السودان أيضا بدأ يؤمن بهذا الطريقة، وقلص مساحة توتراته الخارجية، مع تشاد وإريتريا وأوغندا ومصر، وبالطبع احتوى خلافاته السابقة مع إثيوبيا، لذلك عليه القيام باستدارة كبيرة، واختيار أسلوب نافع للحوار مع القوى المحلية، التي أفرغت الجولات الماضية بينهما من المضامين الجادة، ما جعلها تتعثر.

إصرار الخرطوم على السلام في جنوب السودان، سوف تظل ارتدادته الداخلية والإقليمية رهينة بالخطوة التالية التي يقوم بها الرئيس عمر البشير مع معارضيه، وهو مقبل على استحقاقات انتخابية، على المستوى الرئاسي والبرلماني والولاياتي، وقبل ذلك تعديل الدستور بما يضمن له الترشح لفترة جديدة. وكلها خطوات يمكن أن تواجه بمزيد من التذمر، إذا أخفق في احتواء الموقف مع المعارضة المتنمرة له.

9