لماذا تعجز دور النشر المغربية عن منافسة نظيراتها في المشرق

صناعة الكتاب في المغرب تتراجع رغم دعم الدولة.
الأربعاء 2021/04/07
صناعة الكتاب في المغرب أمام تحد كبير

عرف المغرب العديد من دور النشر الهامة التي نجحت في افتكاك مكانة بارزة في خارطة النشر العربي، لما قدمته من أسماء هامة ومؤلفات مميزة، حتى أنها باتت قبلة للعديد من الكتاب العرب. لكن الواقع تغيّر اليوم وانحدرت أغلب هذه الدور وتراجع تأثيرها وباتت عاجزة عن المنافسة. فما هي أسباب ذلك؟ وكيف يمكن تجاوزها؟

تعيش صناعة الكتاب بالمغرب ظروفا صعبة تتعلق بأزمة القراءة وتراجع عدد القراء المستمر، والتي تؤثر على واقع الطبع والنشر والتوزيع، مما ينعكس على حركية التأليف والإبداع.

ويعاني قطاع النشر المغربي من ضعف هيكلته، حيث إن نسبة كبيرة من المطبوعات، التي تشكل أزيد من 25 في المئة، يتم نشرها بمبادرة من المؤلف وعلى نفقته الخاصة، حسب التقرير السنوي الأخير لمؤسسة عبدالعزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بشأن وضعية النشر والكتاب في المغرب، ويبلغ عدد العناوين الصادرة بهذه الطريقة 736 عنوانا، مما يؤدي إلى تقليص حظوظ توزيعها الواسع، حيث إن بعضها لا يتجاوز نطاق انتشاره مدينة المؤلف أو دائرة معارفه.

وهناك من يربط بين غياب ثقافة القراءة مع تزايد الاستهلاك المادي والتركيز أكثر على نفقات الأكل والتطبيب والسكن، ما يجعل المؤلف يعاني من انتشار منتوجه الأدبي أو الفكري، إلى ذلك، يرى التقرير أن سعر الكتاب المغربي لا يشكل سوى 25.8 في المئة من متوسط السعر العمومي للكتاب الفرنسي.

العجز عن المنافسة

يرجع رئيس الهيئة الاستشارية لدار أكورا للنشر والتوزيع، يوسف كرماح، في تصريح لـ“العرب”، السبب الرئيسي في تراجع سوق النشر في المغرب بالدرجة الأولى إلى القارئ وإلى القدرة الشرائية، وهذا موضوع متشعب تتضارب حوله الآراء، القارئ يريد الجودة والثمن المناسب والناشر تثقل كاهله كلفة الطباعة والضرائب.

والسبب الآخر الضمني، حسب كرماح، هو أن الكثير من دور النشر تعتاش على دعم وزارة الثقافة، وليست لها القدرة على مواكبة ركب دور النشر المشرقية لأن هناك جملة عوامل تحول دون ذلك، من بينها عدم الانفتاح على السوق العربي بشكل لائق، مما يفتح المجال لدور نشر رائدة تغزو كل الأسواق بجودة عالية وبأثمنة مناسبة وبكتب مهمة لاسيما المترجمة، والإشكال الأكبر ربما الذي يؤرق دور النشر في المغرب هو إشكال التوزيع.

أطلقت وزارة الثقافة والشباب والرياضة -قطاع الثقافة في يونيو 2020، برنامج دعم استثنائي يرمي إلى الرقي بالكتاب والقراءة ومواكبة مختلف الفاعلين في هذا الميدان، وذلك في إطار دعم مجال النشر والكتاب.

الكثير من دور النشر المغربية تعتاش على دعم الدولة وليست لها القدرة على منافسة دور النشر المشرقية

وتم دعم 1735 مشروعا بغلاف إجمالي تجاوز 9 ملايين درهم مغربي، خصص جزء منه لاقتناء أكثر من 78 ألف نسخة من 546 عنوانا من 43 ناشرا، و1064 عنوانا بواقع 22765 نسخة من 31 مكتبة بيع، وتم تخصيص جزء من الميزانية لدعم 48 مشروعا في مجال التحسيس بأهمية القراءة، و47 دعما في مجال نشر المجلات الثقافية، و21 مشاركة في المعارض الدولية للكتاب.

وأشارت الوزارة إلى أن الكتب التي سيتم اقتناؤها ستوزع على المكتبات العمومية بهدف إغناء رصيدها الوثائقي.

وبالرغم من دعم وزارة الثقافة يرى الناقد والروائي نورالدين صدوق، في حديثه لـ”العرب”، أنه لم تعد دور النشر المغربية تمتلك قدرات المنافسة والحضور، موضحا أن معظم الناشرين المغاربة استطاعوا في زمن الجائحة تحصيل الدعم في غياب تأكيد الحضور، بل إن من هذه الدور التي انتهت إلى الانطفاء، مثل “دار توبقال”، “دار الثقافة”، “دار الفنك” وغيرها من الدور التي غرقت في التعثر مثل “إفريقيا الشرق”، “دار الآمان”، وهو ما يجعلنا نؤكد على انتفاء القدرة على المنافسة عربيا.

ويذكر صدوق، أن في إحدى دورات معرض الكتاب الدولي بالدار البيضاء، احتفت “دار توبقال” بمناسبة صدور كتابها “المئة”، وهو ما استقبله بسخرية ناشر لبناني بالقول إن “مئة” كتاب يصدر عن دار لبنانية واحدة بين شهر وثان أو في غضون ثلاثة أشهر، وليس في ثلاث سنوات أو خمس سنوات.

من جهته يؤكد كرماح لـ“العرب”، استفادة العديد من دور النشر من دعم محترم صرفته وزارة الثقافة تعويضا عن الخسائر أيام الحجر الصحي، ولكن هذا غير كافٍ، كون قطاع النشر في حاجة ماسة إلى الدعم والتشجيع حتى لا يتثاءب، مبرزا أن أغلبية دور النشر في المغرب تتساءل متى ستفتح الوزارة الوصية دعم قطاع الكتاب لاسيما دعم نشر الكتاب والمعارض.

الكتاب الأمازيغي

في ظل انحسار تداول الكتاب الفكري وما يمثله من تهديد يطال وجود عدد من المطابع، يظل طبع الكتاب المدرسي أحد الخيارات التي اعتمدها ناشرون للتعامل مع هذه الوضعية، والسبب في ذلك، حسب الكاتب والمسؤول بوزارة الثقافة حسن الوزاني، يعود إلى إطلاق مسلسل تحرير الكتاب المدرسي ومنح إمكانية طبعه من طرف الناشرين، مع بداية الألفية الجديدة. وهو الأمر الذي فتح شهية الحصول على حق طبع كتاب أو أكثر بما يضمن سحبا قد يتجاوز المليون نسخة، مع إمكانية إعادة الطبع مع توالي السنوات.

ويحتل الكتاب الأمازيغي المرتبة الرابعة في مجال النشر بالمغرب، حسب تقرير مؤسسة الملك عبدالعزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، وفي هذا الصدد أكد باحثون أن التمويلات الذاتية هي ما يسعف النشر مشيرين إلى أن التوزيع ضعيف بسبب ضعف التلقي، ولكي يشهد انتعاشا يتوجب على المؤسسات المعنية السماح بتداوله في المدارس والجامعات.

وفي هذا السياق وبالرغم مما سجله الكتاب الأمازيغي من حركية إبداعية وطفرة نوعية وكمية شهدتها صناعته في السنوات الأخيرة، فقد أكد مهنيون وباحثون على أن الكتاب الأمازيغي في حاجة إلى دعم وتشجيع من جميع المؤسسات المعنية بالثقافة في المغرب، وتشجيع المؤلف على الإنتاج والتوزيع حتى يتم الرفع من مقروؤيته.

وبنوع من التفاؤل يؤكد أحمد عصيد الباحث في الثقافة الأمازيغية أن الكتاب الأمازيغي يعرف في السنوات الأخيرة، تطورا كبيرا من حيث النوع والكم، بعد أن ارتفعت الإصدارات بسبب إدراج الأمازيغية في التعليم وترسيمها، وأيضا بعد تقعيدها وإرساء معايير لها، ما منحها وضعا اعتباريا أفضل وخضعت لمسلسل تهيئة لغوية من طرف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

النشر والحضور الثقافي

Thumbnail

عرف المغرب تطورا ملحوظا في عدد دور النشر والتوزيع والتي يبلغ عددها 158 شركة، ويقول مهنيون إنها تحتاج إلى خطط متطورة للمنافسة في سوق يعتمد على إنتاج متنوع وضخم، وتنتج دور النشر المغربية ثمانية عناوين لكل ناشر، بينما يبلغ متوسط عدد إصدارات الناشرين المؤسساتيين، 296 مؤسسة، 5.7 عنوان لكل ناشر.

وبهذا الخصوص، يركز نورالدين صدوق على التحولات التي عرفها حقل النشر وصناعة الكتاب، وهي تحولات يرى أنه تتحكم في آلياتها هاجس المنافسة وكيفية تدبير الجانب الثقافي والتجاري إذا ما رُغب في الاستمرار والمواكبة.

وأمام أوضاع القراءة المتدنية وواقع الكتاب الذي يمر به سوق النشر وغياب دعم المؤلف المغربي، يلجأ عدد من الكتاب إلى نشر منتجهم الأدبي على حسابهم الخاص، في حين هناك من يبحث عن منفذ نحو دور نشر مشرقية سواء في الخليج أو مصر أو لبنان.

ويعتقد صدوق، في تصريح لـ“العرب”، أن “دار الثقافة” جسدت نموذجا على مستوى النشر والحضور الثقافي، إذ أصدرت مؤلفات لكبار الكتاب والمبدعين المغاربة والعرب مثل محمد عابد الجابري، تمام حسان، علي أومليل، سعيد يقطين، محمد حجي، عبدالكريم غلاب، محمد الكتاني وغيرهم، إلا أن هذه الدار انتهت إلى التراجع والنكوص، وبخاصة في غياب الموارد البشرية القادرة على تحمل المسؤولية وركوب المغامرة، ولاسيما إثر غياب جيل التأسيس الثقافي وصناعة النشر بالمغرب.

هناك من يتحدث عن غياب دور نشر مغربية مؤثرة عربيا، وفي هذا الصدد يؤكد كرماح، على وجود دور نشر مغربية مؤثرة عربيا ويذكر على سبيل المثال المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء، وذلك عندما نقارن المغرب مع دور النشر العربية الأخرى مثلا في لبنان والعراق ومصر.

ويؤكد صدوق، على بروز دور نشر جديدة في المغرب تعمل من ناحية على الطبع والنشر للمؤلفين والكتاب المغاربة، ومن ناحية أخرى تعمل على الترويج اقتصاديا وتجاريا للكتاب العربي المستورد من لبنان ومصر، ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا، لجوء العديد من الكتاب والمؤلفين للنشر في دور عربية جديدة خولت لهم إمكانات المشاركة والترشح للجوائز العربية.

15