لماذا تغيب الإصلاحات السياسية عن أفكار الجمهورية الجديدة في مصر

الجمود ينعكس على قدرة النخب في التجاوب بشكل فاعل مع خطط الدولة.
الثلاثاء 2021/06/15
المشروعات القومية غير كافية

يسلَّط الضوء في مصر على ترسانة المكاسب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحققت في حقبة الرئيس عبدالفتاح السيسي تزامنا مع مرور سبع سنوات على صعوده لكرسي الرئاسة، وفيما يجمع المتابعون على نجاح النظام الجديد في إعادة الإشعاع الدولي للقاهرة على صعيد إقليمي حيث فرضت نفسها كلاعب وازن في صراعات المنطقة، إلا أنه على صعيد داخلي تحتاج الجمهورية الجديدة إلى إصلاحات سياسية عميقة ومساحة أوسع من الحريات حتى تثبت للداخل والخارج جديتها في بناء الجمهورية المنشودة.

القاهرة - رفعت وسائل الإعلام المصرية شعار “الجمهورية الجديدة” تزامناً مع مرور سبع سنوات على تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي في الثامن من يونيو 2014 سدة الحكم، وسلطت الضوء على الإنجازات التي تحققت في مجالات مختلفة كأسس جديدة للجمهورية التي لم تتضح معالمها بعد وسط تساؤلات متصاعدة حول مدى التزام الحكومة بتأسيس بناء سياسي واجتماعي جديد، أم أن الأمر يقتصر على الانتقال إلى العاصمة الإدارية المتوقع افتتاحها قبل نهاية العام الجاري.

عمرو هاشم ربيع: سلوك السلطتين التنفيذية والتشريعية يجب أن يتغير
عمرو هاشم ربيع: سلوك السلطتين التنفيذية والتشريعية يجب أن يتغير

وغاب النقاش حول الإصلاحات السياسية الداخلية وسط الحديث عن أركان الجمهورية الجديدة، وتركزت غالبية الرؤى حول المشروعات القومية ودورها في الانتقال إلى مرحلة جديدة، وإبراز عوائد الإصلاحات الاقتصادية والمبادرات الاجتماعية التي وصلت إلى قطاع كبير من الطبقات الفقيرة، نهاية ببروز دور الدولة المصرية إقليمياً.

وانعكست حالة الجمود السياسي على قدرة النخب المصرية في التجاوب بشكل فاعل مع الجمهورية الجديدة كمصطلح استخدمه الرئيس السيسي لأول مرة في إحدى الندوات التثقيفية التي تعقدها القوات المسلحة، ورغم أنه حث في أثناء حديثه المفكرين والخبراء على الاهتمام بهذا الأمر والمشاركة في توضيح معالم هذه النقلة، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لخلق نقاشات سياسية على نطاق واسع.

لعل ذلك ما يكشف جوهر الأزمة التي قد تعترض رغبة الدولة المصرية في الانتقال إلى مرحلة جديدة، لأنه من دون إصلاح سياسي حقيقي يؤدى إلى تمكن المواطنين من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية على قدم المساواة سوف تستمر سمات الجمهورية الأولى متجذرة، وقد يؤدي ذلك إلى عدم قدرة الدولة على إقناع المواطنين ثم العالم الخارجي بأن هناك تطورات ملموسة تقود لبناء الجمهورية المنشودة.

وترى دوائر حكومية عديدة أن ممارسة السياسة لم تعد الشغل الشاغل للمصريين، وبالتالي فإن وضع لبنة البناء الجديد على أساسات الطفرة الحاصلة في المجالات المرتبطة بالتنمية يشكل مدخلاً مهماً للتأكيد على أن هناك مرحلة جديدة تتماشى مع انتقال الأجهزة الحكومية إلى العاصمة الإدارية.

وتتعارض تلك الرؤية مع التفسيرات المتعددة للجمهورية الثانية، والتي تصب أغلبها في ضرورة أن يكون هناك بناء دستوري جديد وعقد اجتماعي متطور بين الحكومة والمواطنين، على أن يتضمن ذلك تغييراً في شكل العلاقة بين السلطات.

وحافظت مصر على نفس سمات نظام الحكم منذ إعلان النظام الجمهوري في خمسينات القرن الماضي والذي يقوم على تركيز غالبية السلطات في يد رئيس الجمهورية، ولم تكن الدساتير الموضوعة في أكثر من حقبة، آخرها دستور 2014 وتعديلاته في العام 2017، كافية لإدخال تغيير جذري على شكل نظام الحكم.

العلاقة بين الحاكم والمحكوم

فريدة النقاش: إلغاء المواد المقيدة للحريات يعطي الأمل للمواطنين
فريدة النقاش: إلغاء المواد المقيدة للحريات يعطي الأمل للمواطنين

يعتقد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية بالقاهرة عمرو هاشم ربيع أنه لا وجود لجمهورية جديدة طالما لم تتغير العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويكون ذلك من خلال وضع دستور جديد يعطي حريات أكبر لطبقات المجتمع المختلفة للمشاركة في السلطة، وهو أمر لم يحدث في الحالة المصرية التي عدلت فقط الدستور لكنها عززت من هيمنة السلطة التنفيذية على كافة السلطات.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن العامل الثاني المطلوب توافره لتحقيق المصطلح يتعلق بتغير سلوك السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث يجري تطبيق أي مواد جديدة تأتي في الدستور وإنهاء الحالة الحالية التي بمقتضاها يتمتع البرلمان بصلاحيات أوسع من ذي قبل لكنه لم يستخدمها وما زال خاضعاً للسلطة التنفيذية.

وأشار إلى أن الإصلاحات السياسية يجب أن يواكبها تعزيز أدوار الدولة لتوفير الضمان الاجتماعي للطبقات الفقيرة والاستفادة من التجارب الرأسمالية التي لم تتخل عن القاعدة الشعبية لديها، وتكثيف الجهود لإنهاء الفوارق بين الطبقات وتحصين الطبقة المتوسطة والارتقاء بها بعد أن تلاشت جراء الإجراءات الاقتصادية الصعبة.

وتؤمن دوائر سياسية عديدة بأن الجمهورية الجديدة تحتاج إلى منهج اجتماعي اقتصادي بمظلات إنسانية تضمن العدالة بين المواطنين، وأن تبدأ من حيث انتهى الآخرون في تحقيق الحريات العامة والإعلامية، وتفعيل مبدأ المشاركة السياسية بشكل يضمن عدم النكوص عنه، كما الحال في التجارب السابقة التي لم تكتمل فيها مراحل الإصلاح السياسي وظلت مجرد محاولات تؤدي إلى تنفيس محدود دون أن تتحول إلى سلوك عام.

وذهبت عضوة مجلس الشيوخ فريدة النقاش للتأكيد على أن خارطة الوصول إلى الجمهورية المنشودة لا بد أن تضمن انتشاراً وتطبيقَا لمفهوم الديمقراطية على مستوى مؤسسات الدولة والمواطنين بما يسمح للمصريين بالمشاركة في بناء الجمهورية.

وأكدت في تصريح لـ”العرب” أن مفهوم الديمقراطية يشمل إلغاء كثير من المواد المقيدة للحريات في مصر ما يعطي الأمل للمواطنين للتطلع إلى مستقبل واعد، ومن المستحيل أن يتحقق ذلك في ظل وجود قيود على حرية التنظيم والتعبير والاعتقاد، لأنه في هذا المناخ تلعب المؤسسات الرجعية أدواراً سلبية، مع تزايد لجوء المواطنين إلى من يسمون أنفسهم رجال دين وهؤلاء ينشرون أفكارا معادية للتقدم.

الجمهورية الجديدة تحتاج إلى منهج اجتماعي واقتصادي بمظلات إنسانية تضمن العدالة بين المواطنين، وأن تبدأ من حيث انتهى الآخرون في تحقيق الحريات العامة والإعلامية

ورأت النقاش أن الذهاب باتجاه الجمهورية الجديدة لا يمكن أن يجري في ظل وجود نسبة فقر تقارب 30 في المئة من المواطنين، ولن يكون من العدل ولا احترام النفس أن تترك هذه القوى المهمشة والضعيفة دون الاستفادة من قدراتها الإنتاجية وتحسين مستوياتها للمشاركة بشكل فاعل في البناء الجديد للدولة.

ومن وجهة نظر قطاعات قريبة من الحكومة المصرية ومحسوبة على اليسار فإن تحديد عقد اجتماعي بين الحكومة والمواطنين يتطلب قدرا كبيرا من الحريات التي تتيح مناقشة فاعلة للعلاقة بين الطرفين، وهؤلاء يعولون على أن تقوم الحكومة باعتبارها تمتلك عناصر القوة في هذه العلاقة بالتوجه نحو إتاحة الديمقراطية التي تبدأ وتنتهي منها كل محاولة جادة للتطور.

وأشار رئيس حزب الإصلاح والتنمية (معارض) محمد أنور السادات إلى أن الحاجة لعقد اجتماعي جديد تتطلب إعادة تقييم علاقة الحكومة بالمواطنين والعكس، وفتح مجال الحريات العامة، وفي هذا الملف ما زال أمام الحكومة مشوار طويل كي نصل إلى مرحلة أن يكون لكل مواطن الحق في التعبير عن رأيه عبر إتاحة العمل الحزبي بلا قيود.

وأوضح لـ”العرب” أن الحكومة عليها أن تبدأ من الآن من الداخل والخارج، وهي انفراجة متوقعة منذ فترة تماشياً مع توافر عوامل استقرار الدولة، ولم يعد هناك مبرر من عدم تمكين المؤسسات التشريعية والقضائية والإعلامية للقيام بأدوارها التكاملية مع الحكومة بما يؤدي لإحداث التوازن المفقود بين السلطات المختلفة.

زوال خطر الإخوان

Thumbnail

يتفق العديد من السياسيين على أن خطر الإخوان لم يعد موجوداً أو على الأقل ليس ذا فاعلية في الوقت الحالي، ما يجعل الفرصة مواتية لإعادة ترتيب البيت من الداخل في ظل الاستقرار الذي تتمتع به الدولة وانعكاسه على الانطلاق خارجياً في ملفات عديدة استطاعت أن ترسخ قوتها في اتجاهات إستراتيجية مختلفة تتماشى مع مفهوم الجمهورية الجديدة.

محمد أنور السادات: فتح المجال العام يعطي صورة إيجابية عن الدولة الجديدة
محمد أنور السادات: فتح المجال العام يعطي صورة إيجابية عن الدولة الجديدة

وشدد السادات على أن شعور المواطنين بأن لهم الحق في الإدلاء بآرائهم بحرية وإشراكهم في سلطة اتخاذ القرار تعد بمثابة التأسيس الجديد للعقد الاجتماعي، وأن ما يحدث في الوقت الحالي عبر إتاحة الفرصة لأحزاب المعارضة لأن تكون متواجدة في السلطة التشريعية لا يكفي لتحقيق النقلة، وما يمكن وصفه بـ”الأداء المشرف” لأحزاب المعارضة داخل البرلمان لا يحقق الهدف المطلوب، ومن المهم فتح جميع الأبواب أمام الأحزاب لتدلي بدلوها طالما أن ذلك في الإطار العام للدولة الوطنية.

وذهب أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان في جنوب القاهرة جهاد عودة للتأكيد على أن التأسيس لنظام جديد لا بد أن يشمل تغييرات على المستوى السياسي، وإن لم يكن ذلك بشكل جذري، على أن يواكب هذا التغير العصر الحديث ويتجاوز التعريفات القديمة للعقد الاجتماعي بين السلطة والمواطنين في القرنين التاسع عشر والعشرين، ليكون التركيز على إعادة تعريف المواطنة وتثقيف المواطنين سياسياً بما يدعم تطور أدوات تفكيرهم.

ولفت في تصريح لـ”العرب” إلى أن الوصول لتأسيس جمهورية جديدة يتطلب حالة وجدانية وعقلية وسلوك جديد وطريقة تفكير مختلفة من جانب الدولة والمواطنين أيضاً، لتواكب التطورات العصرية في الدول المتقدمة، وذلك لن يحدث في يوم وليلة وهناك حاجة لسنوات أخرى وصولاً إلى تطبيق المصطلح، غير أن الدولة تتخذ من العاصمة الإدارية نقطة انطلاق نحو الوصول إلى هدفها.

جهاد عودة: الوصول لتأسيس جمهورية جديدة يتطلب طريقة تفكير مختلفة
جهاد عودة: الوصول لتأسيس جمهورية جديدة يتطلب طريقة تفكير مختلفة

وفسر توجه الدولة الحالي بأنها تسير نحو بداية قوية من حيث شكل العاصمة الجديدة والبنايات الضخمة والحديثة التي تمتاز بها وطريقة أداء مختلفة للسلطة التنفيذية داخلها من حيث التطور التكنولوجي وحصار البيروقراطية، وبالتالي فإنها تخلق حافزا نحو التقدم في باقي المجالات الاجتماعية والسياسية.

يدعم هذا الطرح الكاتب بصحيفة الأهرام (حكومية) سليمان عبدالمنعم والذي أشار في مقاله المنشور السبت الماضي إلى أن “محاولة البحث عن تأصيل لمفهوم الجمهورية الجديدة على ضوء طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع هي محاولة مبررة ومطلوبة، لكن إنزال هذا التأصيل على أرض الواقع يجب ألا يتجاهل ظروف الزمان والمكان، ودرجة التطور الاجتماعي والثقافي، وتركيبة النخب السياسية والأحزاب والجماهير وتقاليد وارتباطات البيروقراطية المؤسسية، والتحديات الإقليمية والدولية المحيطة بالدولة، وهي تحديات حقيقية وخطيرة لا مبالغة فيها”.

وأضاف أن الجمهورية الجديدة تكتسب تسميتها وجدارتها بقدر ما تنجح في إقامة مؤسساتها الحديثة الكفء وقيمها الأخلاقية ونزاهة مسؤوليها، ودورها الطموح في سباق التنافس العالمي، وقدرتها على مكافحة الفساد، وإرساء دولة القانون، وكفالة العدالة الاجتماعية لمواطنيها، وإثبات فاعليتها بإنجازات نوعية ومتراكمة.

تصويب قرارات الحكومة

يرى مراقبون أن توفر تلك السمات في الجمهورية الجديدة يتطلب إصلاحا سياسيا يضمن تصويب قرارات الحكومة حال انحرفت عن مسارها، ويجعل السلطة الحاكمة تحت رقابة فعلية من جهات مختلفة تمثل جموع المواطنين، وهو ما يقود في النهاية إلى إحداث نقلة نوعية في تاريخ الدولة المصرية يتماشى مع توجهات الدولة الخارجية الباحثة عن لعب دور مؤثر ومختلف عن الحقب السابقة.

محمد سامي: النظام الحاكم حالياً تسلم تركة أعاقت عمل الدولة
محمد سامي: النظام الحاكم حالياً تسلم تركة أعاقت عمل الدولة

في المقابل لدى قطاع واسع من المصريين قناعة بأن الفترات التي شهدت فيها الدولة حالة من السيولة السياسية بعد ثورة يناير 2011 لم تؤد إلى أي تقدم في أي من المجالات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، والدولة تراجعت في كافة المجالات إلى الدرجة التي اقتربت فيها من السقوط في بئر التنظيمات المتشددة التي سعت للهيمنة عليها قبل العام 2014.

والغريب في الأمر أن الرئيس الشرفي لحزب تيار الكرامة (معارض)، محمد سامي يؤمن بذلك أيضاً، مشيراً لـ”العرب” إلى أن النظام الحاكم تسلم تركة تحتوي كل ما يمثل معوقات لدولة تتطلع إلى المستقبل، وكان من المهم توجيه الأولويات إلى تطوير الطرقات والبنية التحتية والاهتمام باكتشافات الطاقة باعتبارها المدخل الطبيعي لأي تطور في دولة يبلغ تعداد سكانها 100 مليون نسمة.

وبرأيه “من المستحيل حدوث تطور في كافة المجالات في توقيت واحد ومن الصواب تأجيل الإصلاحات السياسية لحين الانتهاء من إنجاز المشروعات العملاقة التي أخذت في التمدد شمالا وجنوباً وشرقاً وغرباً، إلى جانب الاهتمام بالقطاع الصحي ومحاولة إصلاح التعليم، وبالرغم من عدم تحقيق نجاحات ملموسة في القطاعين الأخيرين لكن في النهاية الدولة مضت في الطريق السليم الذي حصنها من الوقوع في الفوضى”.

واستنتج أن “منع الانزلاق إلى الفوضى وضمان المضي قدما باتجاه الجمهورية الجديدة يتطلب احترام الدستور والقانون وكفالة الحريات العامة بحيث يكون لذلك انعكاساته المباشرة على إتاحة مساحة من الانطلاق لوسائل الإعلام المختلفة نحو لعب أدوار فاعلة في توعية المجتمع وإثارة النقاشات المرتبطة بواقعه اليومي وتوفير جو ديمقراطي يساهم في أن يكون المواطنون شركاء في الانتقال الجديد”.

6