لماذا تغيب النخب

الثلاثاء 2014/04/01

تعطيل ميلاد وتفعيل النخب الثقافية والفكرية والسياسية والتقنية قضية من أكبر القضايا التي تشغل مجتمعاتنا التي تصارع شبح التخلف. كما هو معروف فإن النخب في الدول المتقدمة هي التي تفكر وتخطط للمشاريع الكبرى في مجالات التنمية بكل أنواعها وفروعها. أما السياسيون فهم مجرد مساعدين ومسهلين ومنفذين لها لتجسيدها في الميدان. في هذا السياق فإن إحلال السياسيين محل النخب المفكرة تكون له دائما نتائج سلبية وخيمة. يرتبط مصطلح “النخبة” بالمجموعة البشرية التي تفكر وتضع الخطط للمشاريع الكبرى التي تقرر مصير المجتمع ومؤسساته والرمزية والمادية. إذا كان مفهوم النخبة هكذا فإن من يدرس أوضاع بلداننا يكتشف أن تخلفها يعود في جزء أساسي منه إلى تعقيدات مرحلة الاستقلال الوطني بما في ذلك عدم وجود قيادات مثقفة وعالمة في هرم المسؤوليات ولها تصورات للتنمية الأكثر عصرية وحداثة. وهكذا فإن المسؤولية تقع فعلا على عاتق الأنظمة السياسية الحاكمة المستبدة والجاهلة التي ابتزت الحكم وسخرته لأغراضها الشخصية، في بلداننا في الوقت الذي افتقدت ولا تزال تفتقد الدراية بفقه التحديث والعصرنة. نعم، لا توجد في مجتمعاتنا “لجان التفكير” التنويرية التابعة للمجتمع المدني، أو التابعة للحكومة و للأحزاب السياسية. كما لا يوجد تنسيق جديّ ومبرمج بين الجامعات والمعاهد العليا وبين مؤسسات الإنتاج بمختلف فروعها وأنواعها أو بين الأولى وبين الوزارات والمديريات المسؤولة مباشرة على مشاريع التنمية.

ففي الواقع فإن تكوين النخبة المفكرة أمر ليس بالسهل لأن فترة الاستقلال ببلداننا قد تميّزت بالارتجال، ولأن الأنظمة الحاكمة عندنا تفتقد إلى النموذج الحضاري وإلى البرامج الواضحة في هذا المجال. لاشك أنَ مهمة تشكيل وتكوين النخبة المفكرة في شتى الميادين الحيوية منوطة بالمنظومة التربوية بكل مراحلها وأنواعها.

إنَ الجامعات والمعاهد العليا في النماذج الحية للدولة العصرية والحديثة هي التي “تفكر” للسياسيين” و لمؤسسات الدولة التنفيذية كما هو الأمر في أوروبا وأميركا، وفي بعض دول آسيا المتطورة مثل اليابان وكوريا الجنوبية. ففي هذا النوع من الجامعات والمعاهد العليا يتمّ التركيز على “الانتقائية” المعرفية الإيجابية، وليس على الانتقائية الطبقية، حيث يتمّ اختيار المواهب الأفضل، والكفاءات الذكية التي توجه توجيها علميا إبداعيا متخصصا. ففي هذه البلدان توكل أمور التفكير والإشراف على المخططات لهذه العناصر بعد تكونها بالجامعات والمدارس العليا الكبرى التي تعتبر بمثابة معاقل لما يدعى بصناعة “الأنتلجنسيا” التي تتكفل بالقيادة الفكرية والفنية والروحية للبلاد.

15