لماذا تنتشر الشتائم في الأحياء الشعبية

العنف اللفظي رد فعل طبيعي على الظلم الاجتماعي.
السبت 2021/05/15
التعرض للعنف والتهميش يغذي الميل لاستعمال الشتيمة

يؤكد خبراء علم الاجتماع أن تعرض أبناء الأحياء الشعبية المهمشة، وخصوصا خلال هذه العشرية، لشتى أنواع الظلم والتهميش والعنف أدى إلى انتشار الشتيمة كردة فعل طبيعية على الحيف الاجتماعي. ويقول خبراء علم النفس إن الشتائم تجعل الأفراد أقل عنفا جسديا بشكل مثير للاهتمام لأنهم يخرجون كل طاقاتهم السلبية عبر التلفظ بالكلمات السيئة.

تعيش أغلب المجتمعات العربية أوضاعا اجتماعية صعبة عنوانها غضب متفجر وأحلام محطمة. وقد زادت ثورات الربيع العربي من تأزم الأوضاع بتلك البلدان، لتليها جائحة كورونا، ما ساهم في ازدياد منسوب العنف اللفظي رد فعل سواء ضد الطبقة السياسية أو ضد عامة الناس خصوصا في الأحياء الشعبية، باعتبار أن الشتائم تساعد على تقليل الشعور بالألم وتخفض حدة التوتر.

ويقول خبراء علم النفس إن الشتائم تجعل القلب ينبض بشكل أسرع، كما أنها تجعل الفرد أقل عنفا جسديا بشكل مثير للاهتمام.

وترى الدكتورة نادية البس، اختصاصية نفسية من المملكة العربية السعودية، أنّ للشتائم أثرا إيجابيا أكبر من الأثر السلبي وتقول “قد لا أتقبلُ الشتائم بأي صورة من الصور، ولكن وفقا للأبحاث العلمية فمن يستخدمون الشتائم ويطلقونها يتمتعون بنفسية مرتاحة جدا، لأنهم يقذفون بكل طاقاتهم السلبية إلى الخارج عبر التلفظ بالكلمات السيئة”.

وعن أثر الشتيمة على المتلقي وإن كانت تجرحه نفسيا فتبينُ “على العكس، الشتيمةُ تعزّز قدرات المشتومِ وقوته النفسية للأفضل، لأنه سيتمتع في ما بعد بقدرة كبيرة على تحملِ الألم، وهو ما يحفز الجهازَ العصبيَ ويعمل على إفرازِ كمية كبيرة من مادة الأدرنالين بالجسمِ، والذي له فوائد عظيمة”.

بوزيان موساوي: إكراهات المعيش اليومي أدت إلى نقل لغة الكبار إلى اليافعين
بوزيان موساوي: إكراهات المعيش اليومي أدت إلى نقل لغة الكبار إلى اليافعين

وتنتشر الشتيمة وخصوصا الشتيمة الجنسية، في الأحياء الشعبية، وهي بمثابة الرصاصة المجانية التي تصل بسرعة ومن دون خطأ إلى هدفها.

ويؤكد خبراء علم الاجتماع أن الفضاءات الرقمية وغير الرقمية تعج بالشتائم الجنسية الموجّهة إلى النساء، حيث لا يكاد يدخل المستخدم إلى صفحة ناشطة أو سياسية أو صحافية حتى يصطدم بكمية الشتائم التي تدور غالبا في فلك واحد، وهو “الجنس”.

ويشيرون إلى أن الشتائم الجنسية تتصدّر النقاش في السياسة أو الاقتصاد أو التنمية، حين تطرحه امرأة أو تشارك فيه.

وبذلك يتحوّل المنشور أو المقال أو الرأي المطروح، إلى مسلخ للعرض والشرف، ويتنافس الرجال على من يستعرض قدراته الجنسية وفانتازماته في فتك الأعراض، تحت منشور أو تعليق عائد لسيّدة ما.

وقال الكاتب والصحافي التونسي الدكتور منجي الزيدي إن الشتيمة أضحت سمة من سمات المجتمع التونسي، مشيرا إلى أنها انتشرت بين الناس على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والتعليمية حتى كادت تتحوّل إلى “سلوك عام مقبول”. وأكد أن الظاهرة ليست جديدة فقد وصف بيرم التونسي في ثلاثينات القرن الماضي تونس بأنّها مدينة الشتائم. ذلك أنّ من طبيعة الكثير من التونسيين أن يعبّروا عن انفعالاتهم، حتى البسيطة منها، بعبارات من السجّل الفاحش، سيّان عندهم في حالات الغضب أو في حالات الانشراح.

ولفت إلى أن المجتمع التقليدي كان يحاصر المعجم الفاحش في دوائر ضيّقة من الحيّز الخاص، أي في فضاءات مغلقة كالمقاهي والملاعب وغيرها، وبين الأقران والأصحاب، ولكن اليوم تفشّت الشتيمة في أوساط من يحسبون أنفسهم من النخبة السياسية والإعلامية والفنية. وأصبح يسيرا على الخصوم السياسيين استخدام السب واللعن والوصم في خطابهم الإعلامي وجدالهم السياسي و”عروضهم الجماهيرية”.

وتعرض أبناء الأحياء الشعبية المهمشة في تونس، خلال هذه العشرية، لشتى أنواع الظلم والتهميش والعنف تحت عناوين متعددة من أبرزها الحرب على الإرهاب، القضاء على الجريمة والقضاء على الاقتصاد الموازي. كما جاءت أزمة كورونا والتعامل الأمني مع هذه الجائحة (حضر التجول، الحد من حرية التنقل) ليزيدا الطينة بلّة ويرفعان من منسوب التهميش والقهر والعنف الذي تعيشه هذه الطبقات والفئات الاجتماعية، ما ولد لديها ميلا لاستعمال الشتيمة كمتنفس للهروب من الواقع المعيش.

وقال الكاتب والناقد المغربي الدكتور بوزيان موساوي إن بعض الباحثين في علم الاجتماع يربطون استفحال هذه الظاهرة في الأوساط الشعبية عند الأطفال والمراهقين بإكراهات المعيش اليومي لأسرهم وذويهم وأقرانهم ومعارفهم؛ فالصراع اليومي لأجل لقمة الخبز والأمية والجهل هي من الأسباب الرئيسية التي تُولِّد العنف والعنف المضاد في الأوساط الشعبية المعدمة، ما يسَهّل تمرير لغة الكبار للصغار واليافعين.

مالك أبوعطا: المجتمع الذي يغيب عنه الوعي الاجتماعي تنتشر فيه الشتائم
مالك أبوعطا: المجتمع الذي يغيب عنه الوعي الاجتماعي تنتشر فيه الشتائم

وأشار لـ”العرب” إلى أن علماء اللسانيات يصنفون مستويات استعمال اللغة إلى استعمالات كلاسيكية  “أدبية”، و فصيحة “بليغة”، وتقنية علمية، ومتداولة “مألوفة”، وعامية “شعبية” “سوقية”.. ويعتمد هذا التصنيف من وجهة نظر “سوسيو ـ لسانية” على المستوى الثقافي والعلمي للمتكلم، وكذلك على الانتماء الطبقي. كما يفسره البعض من وجهة نظر تربوية سيكولوجية وأخلاقية محضة.

وتابع “ولأن استعمال بعض الأساليب السوقية المبتذلة في مقامات انفعالية للسب والشتم والتجريح مرتبط أكثر بالجانب الأخلاقي، فهي لا تخص فئة اجتماعية دون أخرى كما الشأن في مجتمعاتنا السائرة في طريق النمو. هي مقامات انفعالية تندرج ضمن آفات العنف والعنف المضاد فيكون الضرر النفسي الذي يسببه التجريح اللفظي أحيانا أشد وقعا وخطورة من العنف الجسدي، لذا استحدثت قوانين لزجر هذه السلوكيات المشينة”.

ويرى مالك أبوعطا الإعلامي العراقي أن المجتمع الذي يغيب عنه الوعي الاجتماعي تطغى فيه هذه الظاهرة كما يعاني من أزمات أخلاقية، مشيرا إلى أن إحدى مرتكزات الوعي الاجتماعي هي التربية والأخلاق.

وقال لـ“العرب” “لا يجب حشو أدمغة الطلاب بالحساب والهندسة والقواعد العلمية التقليدية، إنما ينبغي توظيف مصادر العلوم لتوسيع مدارك الجمهور ونشر الثقافة، بمعنى آخر مكافحة تفشي الأمية والجهل أولا لأنها العائق الرئيسي أمام أي محاولة لإصلاح المجتمع وترتيبه”.

ويؤكد خبراء علم الاجتماع أن فعل الشتيمة معروف في كل الثقافات والمجتمعات، وتختلف مكوّناته اللغوية من لغة إلى أخرى، إلا أنها غالبا ما تربط البذاءة بالتابوهات الدينية والجنسية والسياسية.

ويشيرون إلى أن كلما كانت درجة القمع والكبت عالية في أيّ مجتمع ازدادت معها درجة الإحباط، وبالتالي تعدّدت مهارات السب والشتم والنكات البذيئة وتنوعت. وليس متوقعا أن هناك مجتمعا تنتشر فيه ظاهرة السب والشتم والنكات السياسية والجنسية بقدر انتشارها في العالم العربي، وخصوصا في الدول التي عانت من أنظمة شمولية أو طائفية، حيث كانت النكتة السياسية والجنسية والبذاءة والشتم فعل مقاومة وكسر للقيود.

21