لماذا تهتم وكالة الاستخبارات الأميركية بالنظام السوداني

الاحتجاجات ضد حكم الرئيس عمر حسن البشير تنتهي إلى انفجار بعد أن ضاق مناخ الحريات العام كثيرا بالسودانيين.
الأحد 2019/01/20
الاحتجاجات الجديدة في السودان تقترب من نقطة غليان

واشنطن - يشهد السودان منذ 19 ديسمبر تظاهرات بدأت احتجاجا على رفع أسعار الخبز لثلاثة أضعاف، لكنها تحولت إلى احتجاجات ضد حكم الرئيس عمر حسن البشير، وسط أزمة اقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، يعاني منها السودان منذ سنوات، وانتهت إلى انفجار بعد أن ضاق مناخ الحريات العام كثيرا بالسودانيين.

واعتقد المتابعون أن هذه الأجواء ستكون مناسبة لتدخل خارجي، خاصة أن واشنطن تدرج السودان كدولة راعية للإرهاب وتعهّدت باستخدام حق النقض ضد أي طلب للمساعدة تقدمه الخرطوم إلى صندوق النقد لحين امتثالها لسلسلة من المطالب السياسية والإنسانية والأمنية.

لكن، لم تتدخل واشنطن، رغم التصعيد الذي شهدته الاحتجاجات، ووصل الأمر إلى حد سقوط قتلى، الأمر الذي أثار استفهام صحيفة دايلي بيست الأميركية، والتي أوضحت من خلال تغطية خاصة لها عن أسباب هذا الموقف ولماذا تهتم وكالة الاستخبارات المركزية بالنظام السوداني.

في تفسيره للأسباب، عاد تقرير دايلي بيست، إلى الوراء وتحديدا إلى شهر سبتمبر 2012، حيث استحضر ما جرى في اجتماع بين أحد الدبلوماسيين الأميركيين مع أعضاء سودانيين لبحث سبل الإطاحة بالرئيس عمر البشير، المتهم بجريمة إبادة جماعية في دارفور، مع تزايد الاستياء داخل الجيش. كما أخرجت الصحيفة من أدراجها وثائق عن لقاء بين الدبلوماسي الأميركي برينستون ليمان وصلاح قوش، المدير السابق للأمن القومي السوداني، المتعاون مع وكالة المخابرات المركزية، في أحد الفنادق الفخمة المطلة على نهر النيل في القاهرة لساعات.

وتشير دايلي بيست إلى أن تحليلها يستند جزئيا إلى وثائق مقابلات مع 13 مسؤولا أميركيا سابقا، تولوا مناصب في وزارة الخارجية والبنتاغون ووكالة المخابرات المركزية، ووكالات أخرى تابعة للحكومة الأميركية.

وذكرت أن ليمان تبادل رسائل مع المسؤولين السودانيين،  لعدة أشهر، بصفته مبعوثا خاصا لوزارة الخارجية الأميركية للسودان وجنوبها. وقال ليمان في وصفه للمسؤولين السودانيين إنهم “كرجال عسكريين شعروا بأنهم تعرضوا للخيانة” من قبل قيادة البشير.

وأضاف أنه كان مدركا لعدم إمكانية تشريع الولايات المتحدة الإطاحة بالنظام. لكنه كان يعتقد أنه ينبغي على الولايات المتحدة التعامل مع أي شخص يسعى للإصلاح في السودان، خاصة إذا كان التغيير يأتي مع حد أدنى من الفوضى والمجازر.

ينظر إلى قوش، الذي يشغل الآن منصب رئيس جهاز الاستخبارات السوداني، كخليفة محتمل للرئيس عمر البشير
ينظر إلى قوش، الذي يشغل الآن منصب رئيس جهاز الاستخبارات السوداني، كخليفة محتمل للرئيس عمر البشير

وقبل أسابيع من ذلك، وتحديدا في أغسطس 2012، ألقى ليمان خطابا يتضمن لغة دبلوماسية، لا تؤيد الانقلاب علنا، لكنها تعبّر عن الاستعداد لاحتضان التغيير إذا جاء. وذكرت الصحيفة أن البشير اكتشف المؤامرة، وتم اعتقال قوش. لكن، لم يتم الكشف عن طبيعة التدخل الأميركي، مشيرة إلى أن ليمان كشف لها هذه التفاصيل، قبل أيام من وفاته في شهر أغسطس 2018.

وقال إنه تحدث عن ذلك لأنه اعتقد أن الحادثة تظهر أهمية اللقاء مع أي شخص يسعى وراء الإصلاح في السودان، والمخاطر التي يجب أن يتخذها الدبلوماسيون من أجل فرص تحقيق السلام. وتم تأكيد وتوسيع أقواله من قبل كولن توماس جنسن، المستشار الخاص لليمان في ذلك الوقت، وغيره ممن هم على دراية بالأحداث.

اليوم، تقترب الاحتجاجات الجديدة في السودان من نقطة غليان. ورغم أن قصة ليمان هي من الماضي، إلا أنّ العلاقة بين السودان والولايات المتحدة مازالت تستند على نفوذ أجهزة الاستخبارات القوية.

وينظر إلى قوش، الذي يشغل الآن منصب رئيس جهاز الاستخبارات السوداني، كخليفة محتمل للرئيس عمر البشير، وهو مقرب من وكالة الاستخبارات المركزية وغيرها من أجهزة الاستخبارات. وحتى بعد الكشف عن تفاصيل خطة 2012، نجح قوش في العودة إلى دائرة البشير الداخلية في 2018. وعلى الرغم من إدراج السودان كدولة راعية للإرهاب منذ سنة 1993، واتهامات الولايات المتحدة للبشير بالإبادة الجماعية في دارفور، فإن التعاون بين البلدين كان وثيقا في قضايا معينة تعتبرها واشنطن أولوية وخاصة تلك المتعلقة بمكافحة  الإرهابيين.

بعد هجمات 11 سبتمبر، تعاونت الولايات المتحدة مع السودان، الذي كان قد آوى لأسامة بن لادن في التسعينات، تعاونا وثيقا في البحث عن أفراد ينتمون إلى القاعدة. وقامت القوات السودانية بمهام تهدف إلى مكافحة الإرهاب ووقف تدفق المسلحين من غرب أفريقيا إلى العراق، حيث حاول البعض الانضمام إلى الجهاد ضد القوات الأميركية في ذلك الوقت.

اكتسبت العلاقة بعدا إضافيا بعد الحرب في ليبيا، سنة 2011، التي خلقت عددا من الجماعات المسلحة. فقد ازدهرت علاقات مكافحة الإرهاب بين الخرطوم وواشنطن بفضل موقعها الاستراتيجي على الحدود الجنوبية لليبيا. وجرت المحادثات مرارا لإصلاح العلاقة السياسية مع السودان.

وتنقل دايلي بيست عن مسؤول سابق في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أن وكالة المخابرات المركزية بحاجة إلى هذه العلاقة. فبالنسبة إليها وللبنتاغون، يعتبر الوصول السري إلى ليبيا والمعلومات المتعلقة بقادة حركة الشباب الذين تلقوا تعليمهم في الخرطوم ذا قيمة عالية.

4