لماذا دفن ضحايا مسجد الإمام الصادق في النجف

السبت 2015/07/04

مشهدان يشكلان وسم السياسة في الكويت، لا يمكن للكويت أن تغتال هذين المشهدين مهما كان حجم الأسى والألم الذي تتلقاه هذه الدولة، التي واجهت عواصف وبقيت صامدة أمام مختلف الاعتداءات، المشهد الأول بكاء المغفور لهُ الشيخ جابر الأحمد الصباح في 27 سبتمبر 1990 وهو يلقي خطابه على منصة الهيئة العامة للأمم المتحدة، أثناء احتلال وطنه من الجيش العراقي. أما المشهد الثاني فقد كان يوم الجمعة التاسع من رمضان لهذا العام، وبكاء أمير الدولة الشيخ صباح الأحمد الصباح، أثناء زيارته لمسجد الإمام الصادق، بغية الوقوف على أوضاع القتلى والمصابين من الجرحى، بعد قيام انتحاري بتفجير نفسه أثناء أداء المصلين من المذهب الشيعي لصلاة الجمعة.

هذان المشهدان اللذان رسخا في ذاكرة كل كويتي وعربي، هما أكبر توثيق على العلاقة البارزة بين الحاكم وشعبه، ولو لم تمتلك الكويت ثروة نفطية، فيمكن لها أن تختزل تاريخها الطويل العريق، في علاقة شعبها المتفردة مع حكامها، لقد درست الإعلام وكان من حسن حظي أنني كنت طالبة لأساتذة خليجيين، مما انعكس ذلك على فهمي أكثر للحكم القبلي، وإدراك الوعي لأهمية وأسس ثبات الروابط بين الحاكم والمواطن في الخليج.

اختيار “داعش” لتفجير مسجد به العشرات من المصلين الشيعة، كان خطأ كبيرا إذا كان يقصد بذلك تفكيك الروابط المجتمعية والإنسانية بين المذهبين السني والشيعي في الكويت، ولو أنني أشك في ذلك، إذ أن كل ما أراده تنظيم “داعش” الإرهابي هو إيصال رسالة ولو كانت على ظهر المسلمين، بأنه يمكنه أن يصل إلى أي مكان ولو أن ذلك لا يتماشى مع قواعد الحرب اللاأخلاقية التي يقوم بها، ولكن كل ذلك يأتي في كفة، وإرسال جثث بعض شهداء مسجد الإمام الصادق إلى النجف في كفة أخرى، فالسؤال الذي تبادر إلى أذهان معظم المراقبين من عامة الناس، لماذا تم دفن هؤلاء في النجف لا في الكويت؟ على الرغم من أنه يعرف أن الشيعة قد استوطنوا الكويت منذ القرن التاسع عشر، وفي كتب التاريخ التي تحدثت عن الشيعة في الكويت، تم إيضاح بأنهم ينقسمون على أساس عرقي إلى: شيعة من أصل عربي، وشيعة من أصل إيراني، والشيعة العرب المنحدرون من الجزيرة العربية وبالتحديد من المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ويطلق عليهم “الحساوية” نسبة إلى منطقة الإحساء، وكذلك هناك شيعة من أصل عربي، هاجروا إلى الكويت من البحرين ويطلق عليهم “البحارنة”، بالإضافة إلى فئة قليلة من الشيعة العرب الذين وفدوا من جنوب العراق، أما الشيعة الذين جاؤوا من إيران فيطلق عليهم “العجم”، وهم يشكلون نسبة كبيرة من شيعة الكويت، كما ذكر الدكتور فلاح المديرس في كتابة “حركة الشيعة في الكويت”، وجدير بالذكر أن الاستعمار البريطاني آنذاك شجع هذا النوع من الهجرة لأهداف سياسية واقتصادية.

والجميع يعرف أن للوضع الاقتصادي في الكويت، دورا هاما في تقليص الفجوة بين الشيعة والسنة من الناحية الاجتماعية والثقافية، حيث أن الشيعة استفادوا من توزيع الثروة النفطية، وفي بداية الخمسينات شهدت الكويت عملية استملاكات ضخمة ساعدت على تحسين المستوى الاقتصادي للمواطنين الكويتيين، الأمر الذي وفر المجال للشيعة أن يعملوا في المجال الاقتصادي حتى أصبحت بعض الأسر الشيعية من كبار الفئة التجارية في الكويت، كما تولى أبناء الشيعة مناصب قيادية هامة في الدولة، في ذات الوقت ساهمت الكويت بمنح الشيعة الحرية في الجانب الديني من حيث إقامة المساجد والحسينيات في الأحياء والمناطق ذات الكثافة السنية، وكانت الحرية مكفولة لهم بجلب رجال الدين من قم والنجف ما عدا أثناء الحرب العراقية الإيرانية، خلافا لأوضاع الشيعة في بعض دول المنطقة التي تعاني من بعض القيود على ممارسة الشعائر الدينية، والسؤال هنا… هل هذا ما دفع أهالي شهداء التفجير، بسبب سماحة المجتمع الكويتي الإصلاحي، لكي يطلبوا بنقل ضحاياهم إلى الأراضي العراقية الدينية لدفنهم، دون أن يكون لديهم ولاء للأرض التي استضافتهم منذ الحرب العالمية الأولى، واستفادوا من الانفراج الديمقراطي الذي انتهجه الشيخ عبدالله السالم الصباح في عام 1963 ليكون لهم أول وجود علني عبر التنظيم الديني الشيعي في الكويت؟

الشيء الآخر الذي لفت انتباهي، التعاضد المذهبي من خلال التلاحم الشعبي في الكويت بعد التفجير، ويمكننا القول بأنه منذ الثلاثينات من القرن العشرين وحتى انبثاق الثورة الإسلامية في إيران، لم يشكل الشيعة في الكويت جزءا من المعارضة السياسية، كما ذكر المديريس، خلافا للشيعة في البحرين والسعودية، الذين كانوا جزءا أساسيا من المعارضة السياسية لنظام الحكم، وهذا ما يحسب لشيعة الكويت بعدم اعتراضهم على سدة الحكم.

كاتبة سعودية

9