لماذا زعل رشاد أبو شاور زعلا عظيما

الجمعة 2014/01/17

زعل رشاد أبو شاور زعلاً عظيماً مني احتجاجاً على المشهد الذي تضمنه فيلمي "ظلّ الغياب" الذي يُظهر ضريح أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية الراحل أبي العباس في تفاصيل مشهد طويل لأضرحة الشهداء "أبو جهاد" و"طلعت يعقوب" و"أبي صالح نمر الصالح" وغيرهم في مقبرة مخيم اليرموك.

يتحدث فيلمي من خلال حكايات أفراد وجماعات من الفلسطينيين في فلسطين والشتات عن المشاكل التي واجهوها بعد النكبة في إيجاد أمكنة للدفن. ومن الأفراد الذين تحدث عنهم الفيلم شخصيات ثقافية وسياسية مثل الرئيس عرفات وناجي العلي ومعين بسيسو وغسان كنفاني وإدوارد سعيد وابراهيم أبو لغد وأحمد الشقيري وغيرهم.

وقد تم تصوير الفيلم في فلسطين ولبنان وسوريا والأردن وتونس ومصر ولندن وباريس ونيويورك وبلغاريا وهانوي. كنت ذهبت وصديقي جمال والصديق توفيق ارشيد وهو صديق مشترك ورفيق لرشاد أبو شاور إلى بيت رشاد في عمان في أيلول من عام 2007 لأعرض له الفيلم للمرة الثانية بعد العرض الأول في رام الله في ذكرى رحيل ناجي العلي وقبل العرض العالمي في مهرجان دبي السينمائي حيث فاز الفيلم بالمهر البرونزي في مسابقة الأفلام الوثائقية.

كنا، رشاد وأنا، صديقين ومحبة مني واحتراماً لرشاد ذهبت إلى بيته لأعرض له الفيلم.

بعد نهاية العرض أدار رشاد ظهره لي وهو سلوك غير لائق تجاه الضيف كما تقول العرب ولم ينبس ببنت شفة وقد أصابتني حيرة شديدة وارتباك أشدّ لسلوكه وصمته وأنا الذي كنت أتوقع منه أن يبدأ حديثاً بصوته الجهوري العالي من المديح والإشادة بعملي وجهدي الذي أخذ من عمري 7 سنوات بحثاً عن المادة والمال والسفر المتعب والتصوير.

أمام صمت رشاد الأبو الهوليّ سألته: "شو أبو الطيب" (الاسم الذي يحب رشاد استخدامه لإعجابه بأبي الطيب أحمد المتنبي وذلك قبل ولادة ابنه الثاني بالتسلسل الذي أسماه الطيب)

نظر أبو الطيب رشاد إليّ نظرة اشمئزاز لم أعهدها من قبل في النظر إليّ وقال: "ألم تجد غير قبر أبي العباس لتضعه في فيلمك؟"، فقلت له: "ألم تر قبور الآخرين في الفيلم؟ ثم ألم يقتل الأميركيون أبا العباس مباشرة أو غير مباشرة؟ ألم يمت في السجون الأميركية في بغداد؟ ألم يرفض نظام بشار الأسد السماح لأبي العباس بالدخول إلى سوريا بعد الاجتياح الأميركي لبغداد وأرجعه إلى بغداد ليعتقله الأميركيون وليموت فيما بعد في سجونهم؟

ثم عاد النظام وقبل إدخال جثمانه ليدفن في اليرموك بعد رفضه حيّاً كي لا يُغضب الأميركيين للسماح بدخول سوريا لمن اعتبروه قائداً إرهابياً وهو الفلسطيني السوري؟

ألا تستطيع تجاوز الخلافات التنظيمية بين شقي جبهة التحرير الفلسطينية وتنظر إلى أبي العباس كمناضل قضى في معسكرات من تعتبرهم أعداء الأمة، بغض النظر عن خلافك معه سياسياً أو تنظيمياً؟".

لم يردّ أبو الطيب رشاد أبو شاور على الكلام فنضهت وصديقي جمال وخرجنا من منزله وكان هذا آخر عهدي به وآخر لقاء لنا وآخر اتصال بيننا وآخر حديث وآخر وهم لديّ في أن ألتقي برشاد في أيّ من دروب الحياة التي التقينا بها منذ السبعينات في بيروت وتونس وأريحا وعمان منذ عام 2007 إلى يوم الثورة السورية هذا.

لماذا تذكرت اليوم هذه الحكاية؟ سألت نفسي حين بدأت كتابتها فوجدتني أحيل كل الدوافع النفسية إلى ما حركته الثورة السورية فيّ من ذكريات عن أشخاص كنت أعتقد أننا نسير على الدرب نفسه وأن إنسانية النضال كانت تجمعنا لكنني أدركت كم كنت واهماً. لقد أسقطت ثورة الشعب السوري وتطلعه وتضحياته العظيمة من أجل حريته كل الأوهام وكل الأدعياء فمن يقف ضد حرية شعب لا يمكن أن يكون مع حرية شعبه حقاً.

وفلسطين التي هي قضية كل حر في العالم هي في الوقت نفسه قضية للحرية في كل مكان. ولا حرية لفلسطين من غير حرية الشعوب المقهورة في كل هذا العالم العربي.

سينمائي وكاتب من فلسطين
14